تَائهه - زَوَايَا حَادَّةٌ - بقلم نيني - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: تَائهه
المؤلف / الكاتب: نيني
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: زَوَايَا حَادَّةٌ

زَوَايَا حَادَّةٌ

​لَمْ تَكُنْ "نَاي" تَرى العالَمَ كما يَراهُ بَقِيّةُ البَشَر؛ كانَ بالنِّسبةِ لها مَجموعةً مِنَ الخُطوطِ المُتوازِيَةِ التي لا يَجوزُ لها أن تَلْتَقي، والزَّوايا القائِمةِ التي لا تَقْبَلُ الانْحِرافَ. في مَنزلِ عائِلَةِ "فِيكْتُور"، كانَ كُلُّ شَيءٍ يَمْشي وَفْقَ إيقاعٍ ساعَةٍ سويسريَّةٍ قديمةٍ، صَوْتُ "تِكْ تَاكْ" الخاصُّ بها هو الموسيقى الوحيدةُ المَسْمُوحُ بها في المَمَرّاتِ الباردَة. ​في غُرفَتِها، كانَت ناي تَجْلِسُ على طَرَفِ سَريرِها المَشدودِ بِعِنايَةٍ فائِقَةٍ، تُمْسِكُ بِمِسْطَرَةٍ حديديَّةٍ وتَقيسُ المَسافةَ بَينَ كِتابِ الفيزياءِ وحافَّةِ المَكْتَبِ. "خَمْسَةُ سُنتمتراتٍ تَماماً،" هَمَسَتْ لِنَفْسِها وهي تَشْعُرُ بِنوعٍ غريبٍ مِنَ الرَّاحَةِ. هَذِهِ الدِّقَّةُ لم تَكُنْ هِوايَةً، بَل كانَتْ دِرْعاً. فَفِي بَيْتٍ يَقودُهُ رَجُلٌ مِثْلَ "إِدْوارْد"، كانَ الخَطأُ يَعني الانهِيار. ​كانَ والِدُها يَعْتَقِدُ أنَّ المَشاعِرَ نَوْعٌ مِنَ الفَوْضى، وأنَّ الفَوْضى جَريمَةٌ. لِذلِكَ، تَعَلَّمَت ناي كَيْفَ تَكْبِتُ صَرخاتِ طُفولَتِها وتُحَوِّلُها إلى مُلاحَظاتٍ دقيقَةٍ. أخْرَجَتْ دَفْتَرَها السِّرِّيَّ، المَخْفِيَّ خَلْفَ لَوْحَةٍ خَشبيَّةٍ في خِزانَتِها، ودَوَّنَتْ بَخَطٍّ صَغيرٍ: "الأحَد، الساعَةُ السَّادِسَةُ مَساءً: والِدِي نَظَرَ إلى السَّاعَةِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ أثناءَ العَشاء. هُناكَ خَلَلٌ في جَدْوَلِ أعمالِهِ يُثيرُ قَلَقَه. والِدَتي تَجَنَّبَتِ النَّظَرَ في عَيْنَيْه.. رُبَّما كَسَرَتْ قاعِدَةً ما دُونَ قَصْد." ​هَذِهِ القُدْرَةُ على التَّحليلِ الجِنائيِّ بَدأتْ مَعَها مُنذُ كانَتْ في الثَّامِنَةِ. كانَتْ تَعْرِفُ مَن الكاذِبُ مِنْ رَفَّةِ جَفْنِه، ومَنِ الخائِفُ مِنْ طَريقَةِ تَنَفُّسِه. ​عِنْدَما حانَ مَوْعِدُ تَنْفيذِ خُطَّتِها، لَمْ تَلجأْ ناي لِلصُّراخِ أو التَّمَرُّدِ المَكشوف. كَيْفَ تَتَمَرَّدُ بِنْتٌ "مِثاليَّةٌ"؟ الإجابَةُ كانَتْ: بالمزيدِ مِنَ المِثاليَّة. ​دَخَلَتْ مَكْتَبَ والِدِها، حَيْثُ كانتْ رِيحَةُ التَّبْغِ والأوراقِ القَديمَةِ تُشَكِّلُ جَوّاً مِنَ الرَّهْبَةِ. وَقَفَتْ بِظَهْرٍ مُستقيمٍ، وقَدَّمَتْ لهُ مَلَفّاً أزْرَقَ. "ما هَذا؟" سألَ إدوارْد بِنَبْرَةٍ لا تَعْرِفُ اللِّينَ. "مُسْتَقْبَلي يَا والِدِي،" أجابَتْ بِبُرودٍ مُصطَنَع. "مَدْرَسَةُ (سانْت فِيكْتُور) الدَّاخِليَّة. لَقَدْ بَحَثْتُ في جَميعِ الخَياراتِ، ووَجَدْتُ أنَّ نِظامَهُم يَتَوافَقُ مَعَ مَبادِئِكَ. إنَّهم يَعْتَبِرونَ الدَّقيقَةَ تأخيراً، واللَّباقةَ فَرْضاً. أُريدُ أنْ أصْقَلَ كِياني هُناكَ بَعيداً عَنْ رَفاهِيَةِ المَنْزِل." ​رَفَعَ إدوارْد بَصَرَهُ. كانَتْ ناي تَعْرِفُ نُقْطَةَ ضَعْفِ والِدِها: كِبْرِياؤُهُ في نِظامِه. لَقَدْ أوْهَمَتْهُ أنَّها تُريدُ "سِجْناً" أكْثَرَ قَسْوَةً، بَيْنَما كانتْ في الحَقيقَةِ تَبْحثُ عَن مَهْرَبٍ مِن عَيْنَيْهِ اللتَيْنِ لا تَنامان. ​بَعْدَ أُسبوعٍ مِنَ النِّقاشاتِ البارِدَة، كانَت ناي تَقِفُ أمامَ البَوَّابَةِ الحَديديَّةِ لِلْمَدْرَسَة. بَدَتِ المَدْرَسَةُ كَقَلْعَةٍ مِنَ العُصورِ الوُسْطى، تَحوطُها أشجارٌ ضَخْمَةٌ كأنَّها حُرَّاسٌ مِن خَشَب. وَدَّعَها والِدُها بِمُصافَحَةٍ جافَّة. لا عِناقَ، لا دُموع. "تَذَكَّري،" قالَ وهو يُغْلِقُ بابَ السيارَة، "العالَمُ لا يَرْحَمُ الضُّعفاءَ الذينَ يَفْقِدونَ السَّيْطَرَة." ​بِمُجَرَّدِ أن اخْتَفَتِ السيارَةُ عَنِ الأَنْظار، تَنَفَّسَتْ ناي الصُّعَداء. لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ أنَّها لَمْ تَخْرُجْ إلى الحُرِّيَّة، بَل دَخَلَتْ إلى غابَةٍ مِنَ الأسرارِ التي سَتُغَيِّرُ مَجرى حَياتِها لِلأبَد,تَقَدَّمَت "ناي" نَحوَ المَبنى الرَّئيسيِّ للمَدرَسَة، كَانَت خُطواتُها مَدروسَةً كَأَنَّها تَقيسُ المَسافَةَ بَينَ بَلاطَةٍ وأُخرى. المَكانُ يَفوحُ بِرائِحَةِ القِدَم؛ مَزيجٌ مِن خَشَبِ الأَرْزِ والمَطَرِ الَّذي لا يَنْضُب. كُلُّ شَيءٍ هُنا كانَ يَبدو رَمادِيّاً، وكأنَّ الألوانَ غادَرَت هَذهِ الجُدرانَ مُنذُ عُقود. ​"ناي فيكتور؟" صَوتٌ حادٌّ قَطَعَ حَبْلَ أَفكارِها. كانَت المَشرِفَةُ "مارغريت" تَقِفُ بِيَاقَةٍ مَشْدودَةٍ ونَظَّاراتٍ دَقيقَة. نَظَرَت ناي إلى ساعَتِها؛ السادِسَةُ وخَمْسُ دَقائِق. "لَقَد تَأَخَّرْتِ خَمْسَ دَقائِقَ عَن مَوْعِدِ التَّسجيلِ،" قالَت المَشرِفَةُ بِجَفاف. لَم تَعْتَذِر ناي، بَل أَجابَت بِمَنطِقٍ بَارِد: "السَّائقُ التَزَمَ بِالسُّرعَةِ القانونِيَّةِ الَّتي فَرَضَها والِدي، خَرْقُ القانُونِ لِأَجْلِ دَقائِقَ هو فَوضى غَيرُ مَقْبولَة." ​رَفَعَت مارغريت حاجِبَها، وأَعطَتْها مِفتاحَ الغُرفَةِ رَقْم (302). دَخَلَت ناي غُرفَتَها الجَديدَة، ولِأَوَّلِ مَرَّةٍ في حَياتِها، شَعَرَت بِأَنَّ الهَواءَ لا يَخْنُقُها. بَدَأَت بِتَرتيبِ ثِيابِها؛ القُمصانُ البَيضاءُ أوَّلاً، ثُمَّ التَّنانيرُ السَّوداء، مُرَتَّبَةً حَسَبَ شِدَّةِ نُعومَةِ القِماش. ​أَخْرَجَت دَفْتَرَها، وجَلَسَت خَلْفَ المَكْتَبِ الصَّغير، وبَدَأَت تَدْوينَ انْطِباعاتِها الأُولى: ​"المُلاحَظَةُ الثانِيَة: المَشرِفَةُ مارغريت تَعاني مِن تَوَتُّرٍ في عَصَبِ عَيْنِها اليُسرى، رُبَّما هي خائِفَةٌ مِن شَيءٍ ما في هَذهِ المَدرَسَة. الطلابُ الَّذين رَأَيْتُهُم في المَمَرِّ يَمشونَ بِأَكتافٍ مُنحَنِيَة، كأنَّهم يَحملونَ أسراراً ثَقيلَة." ​بَعدَ ساعَة، خَرَجَت ناي لِتَستَكشِفَ المَكْتَبَة. كانَت المَكْتَبَةُ هِيَ المَكانُ الَّذي تَشعُرُ فيهِ بِالانْتِماء، حَيْثُ كُلُّ شَيءٍ مُصَنَّفٌ ومُبَوَّب. وبَيْنَما كانَت تَمشي بَينَ الرُّفوفِ العالِيَة، اصْطَدَمَت بِجَسَدٍ صَلْبٍ كَالجِدار. ​سَقَطَ الدَّفْتَرُ مِن يَدِها، وانْفَتَحَ على صَفْحَةِ "تَحليلِ شَخْصِيَّةِ والِدِها". انْحَنَى الشَّابُ الَّذي اصْطَدَمَت بِهِ، والْتَقَطَهُ بِسُرعَةٍ لا تَخلو مِن مَكْر. كانَ ذلِكَ هو "ليام". عَيْناهُ كانَتا بِلَوْنِ العاصِفَة، وشَعْرُهُ كانَ مُبَعثَراً بِطَريقَةٍ تَسْتَفِزُّ هُدوءَ ناي. ​"إدوارد فيكتور.. رَجُلٌ آليٌّ بِمَلامِحَ بَشَرِيَّة؟" قَرَأَ ليام بِصَوتٍ مُتَهَكِّم وهو يَقْلِبُ الصَّفْحَة. "أَعِدِ الدَّفْتَر!" صَرَخَت ناي بِصَوتٍ مَخْنوق، ومَدَّت يَدَها لِتَخْطَفَهُ. رَفَعَ ليام الدَّفْتَرَ عَالِيّاً، وابتَسَمَ ابتِسامَةً جانِبِيَّةً لَئِيمَة: "لَدَيْكِ لِسانٌ حادٌّ وقَلَمٌ أَكثَرُ حِدَّة. مَن أَنتِ؟ جاسوسَةٌ أَمْ مُجَرَّدُ مَريضَةٍ بِالمُراقَبَة؟" ​تَجَمَّدَت ناي في مَكانِها. لَقَد كانَت هَذهِ المَرَّةَ الأُولى الَّتي يَتَجَرَّأُ فيها أَحَدٌ على السُّخْرِيَةِ مِن عَالَمِها المِثاليّ. "اسمي ناي، وأَنتَ تَنْتَهِكُ خُصوصِيَّتي،" قالَت وهِيَ تُحاوِلُ اسْتِعادَةَ بُرودِها. أَعادَ لَها الدَّفْتَرَ، ولَكِنَّ نَظَراتِهِ ظَلَّت مُعَلَّقَةً بِعَيْنَيْها: "أهلاً بِكِ في (سانت فيكتور) يا ناي. لَكِنْ نَصيحَةٌ مِنِّي.. لا تَدْفِني نَفْسَكِ في هَذا الوَرَق، فالحَقائِقُ هُنا لا تُكْتَبُ، بَل تُعاش." ​رَحَلَ ليام وتَرَكَ خَلْفَهُ رَائِحَةً غَريبَة؛ رائِحَةُ مَطَرٍ وبَقَايا رَماد، ورُبَّما رائِحَةُ حُرِّيَّةٍ لَم تَعْرِفْها ناي مِن قَبْل. عَادَت إلى غُرفَتِها، وقَلْبُها يَدُقُّ بِإيقاعٍ غَيْرِ مُنْتَظَم، كَتَبَت في صَفْحَةٍ جَديدَة: ​"ليام: كائنٌ فَوْضَوِيٌّ، غَيْرُ مُتَوَقَّع، ويَمْلِكُ القُدْرَةَ على اخْتِراقِ الدِّفاعاتِ بِكَلِمَةٍ واحِدَة. يَجِبُ الحَذَرُ مِنْه." ​لَم تَكُن تَعْلَمُ أَنَّ هَذا "الحَذَرَ" سَيَتَحَوَّلُ قَرِيباً إلى شَيءٍ آخَرَ تَماماً,مَرَّ الأُسبوعُ الأَوَّلُ في (سَانْت فِيكْتُور) كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ مِنَ السَّاعاتِ الميكانيكِيَّةِ الرَّتِيبَة. كانَت "نَاي" تَسْتَيْقِظُ في الخامِسَةِ صَباحاً، تُرَتِّبُ شَرْشَفَ سَريرِها بِزَوايا حادَّةٍ تَجْرَحُ اليَد، وتَتَوَجَّهُ لِلقَاعَةِ الدِّراسِيَّةِ قَبْلَ الجَميع. ​في حِصَّةِ "الكيمياءِ الجِنائيَّة"، بَدَأَت مَوْهِبَةُ ناي تَبْرُزُ بِشَكْلٍ مُخيف. بَيْنَما كانَ الطُّلابُ يَنْظُرونَ لِلمَجْهَرِ كَأَدَاةٍ مُمِلَّة، كانَت ناي تَرى فيهِ بَوَّابَةً لِلحَقائِقِ المَخْفِيَّة. "الآنسَةُ ناي، هَل يُمْكِنُكِ تَحديدُ نَوْعِ المادَّةِ في هَذا الأُنْبوب؟" سأَلَ الأُستاذُ "ماركوس". ​نَظَرَت ناي لِلأُنْبوبِ ثانِيَةً واحِدَة، ثُمَّ قالَت بِبُرود: "هَذِهِ بَقَايا رَمادٍ لِوَرَقٍ مُحْتَرِق، ولَكِنَّها مَمْزوجَةٌ بِقَطَراتٍ مِن عِطْرٍ نِسائِيٍّ ثَقيل. الشَّخْصُ الَّذي أَحْرَقَ الوَرَقَةَ كانَ يَمُرُّ بِحَالَةِ ذُعْر، لأَنَّ جُزَيْئاتِ الرَّمادِ غَيْرُ مُنْتَظِمَة، مِمَّا يَدُلُّ على تَمْزيقِها قَبْلَ الحَرْق." ​سادَ الصَّمْتُ في القاعَة. كَانَت عَيْنا "ليام" تُرَاقِبانِها مِنَ المَقْعَدِ الخَلْفِيّ. بَعْدَ الحِصَّة، اقْتَرَبَ مِنْها في المَمَرِّ المُظْلِم. "تَحْليلاتُكِ تُثيرُ القَشْعَريرَة يَا ناي،" قالَ ليام وهُوَ يَسْنِدُ ظَهْرَهُ على الحائِطِ الرَّمادِيّ. "لَكِنَّكِ نَسِيتِ أَهَمَّ تَفصيلَة." تَوَقَّفَت ناي والتَفَتَت إِلَيْه: "وما هي؟" "أَنَّ الشَّخْصَ الَّذي أَحْرَقَ الوَرَقَةَ لَمْ يَكُنْ خائِفاً.. بَل كانَ يَنْتَقِم،" قالَ ليام بِنَبْرَةٍ خافِتَةٍ جَعَلَت ناي تَرْتَبِكُ لِأَوَّلِ مَرَّة. "المَشاعِرُ تُغَيِّرُ النَّتائِجَ المِخْبَرِيَّة، وأَنْتِ لا تَعْتَرِفِينَ بِالمَشاعِر." ​رَحَلَ ليام، وتَرَكَ ناي تُصارِعُ فِكْرَةً جَديدَة. لَقَد بَدَأَ هَذا الشَّابُ يَخْتَرِقُ "السيستم" الخاصَّ بِها. ​في مَساءِ ذلِكَ اليَوْم، جَلَسَت ناي في رُكْنٍ مَعْزولٍ في الحَديقَةِ الخَلْفِيَّةِ لِلمَدرَسَة. فَتَحَت دَفْتَرَها وبَدَأَت تَرْسُمُ خَريطَةً لِشَخْصِيَّاتِ زُمَلائِها: ​"إيلين: تَدَّعِي المَرَح، لَكِنَّها تُخْفي نَدْبَةً قَديمَةً في مِعْصَمِها. ماركوس الأُستاذ: يَتَحَدَّثُ كَثيراً لِيُخْفِيَ سِرَّ اخْتِفاءِ بَعْضِ المَوادِّ الكيميائِيَّة. ليام.. ليام.." ​تَوَقَّفَ قَلَمُها عِنْدَ اسْمِه. لَم تَجِدْ صِفَةً واحِدَةً ثابِتَةً لِتَكْتُبَها. لَقَد كانَ ليام بالنِّسْبَةِ لَها "ثَقْباً أَسْوَدَ" يَمْتَصُّ كُلَّ مُحاوَلاتِها لِلتَّحليل. ​فَجْأَةً، سَمِعَت صَوْتَ خُطُواتٍ وراءَها. أَغْلَقَت الدَّفْتَرَ بِسُرعَة، لَكِنَّ ليام كانَ قَد جَلَسَ بِجانِبِها بِعَفْوِيَّةٍ تَامَّة. "لِماذا تُريدينَ فَهْمَ الجَميع؟" سَأَلَ بِنَبْرَةٍ جِدِّيَّةٍ هَذِهِ المَرَّة. "لأَنَّ المَعْرِفَةَ هِيَ الأَمان،" أَجابَت ناي دُونَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْه. نَظَرَ ليام لِلسَّماءِ المُرَصَّعَةِ بِالنُّجوم: "الأَمانُ كِذْبَةٌ كَبيرَةٌ يَا ناي. نَحْنُ جَميعاً تائِهونَ في هَذِهِ الحَياة. أَهْلُكِ أَرْسَلُوكِ هُنا لِتَكونِي (كامِيرا مُراقَبَة)، لَكِنَّكِ في الحَقيقه تَبْحَثينَ عَمَّنْ يَكْسِرُ عَدَسَتَكِ لِتَرَيْ الحَياةَ بِعَيْنَيْكِ المُجَرَّدَتَيْن." ​لَم تَجِد ناي رَدّاً. شَعَرَت بِيَدِ ليام تَقْتَرِبُ مِن يَدِها، لَكِنَّها سَحَبَتْها بِسُرعَة. كَانَت تَخافُ مِن هَذا القُرْب، لأَنَّ القُرْبَ يَعْنِي التَّورُّط، والتَّورُّطَ يَعْنِي العَجْزَ عَنِ التَّحْكُّم. ​"غَداً سَنَذْهَبُ في رِحْلَةٍ لِلمَدينَةِ القَديمَة،" قالَ ليام وهُوَ يَقُومُ. "اتْرُكي دَفْتَرَكِ في الغُرفَة، وحاوِلي أَنْ تَكونِي (تائِهَةً) مَعَنا لِمَرَّةٍ واحِدَة." ​عادَت ناي لِغُرفَتِها، نَظَرَت لِلمِرآة. رَأَت فتاةً تُشْبِهُ تِمثالاً مِن رُخام. كَتَبَت في دَفْتَرِها قَبْلَ النَّوْم: ​"ليام لا يُشْبِهُنا. هُوَ يَعْرِفُ عَنِّي أَكْثَرَ مِمَّا أَعْرِفُ عَنْ نَفْسِي. هَل هَذا جُزْءٌ مِن خُطَّة؟ أَمْ أَنَّهُ الوَحيدُ الَّذي يَراني حَقّاً؟, في الصَّبَاحِ التَّالِي، لَمْ تَكُنْ "نَاي" تَرْغَبُ في الذَّهَابِ إِلى تِلْكَ الرِّحْلَةِ المَدْرَسِيَّة. كَانَتْ تَخْشَى الأَمَاكِنَ المَفْتُوحَةَ حَيْثُ لَا قَوَانِينَ تَحْكُمُ حَرَكَةَ النَّاس. لَكِنَّ صَوْتَ "ليام" وهُوَ يَتَحَدَّاهَا أَنْ تَكُونَ "تَائِهَةً" ظَلَّ يَرِنُّ في أُذُنَيْهَا كَطَبْلٍ مُزْعِج. ​رَكِبَتِ الحَافِلَةَ، وَجَلَسَتْ في المَقْعَدِ الأَوَّلِ، مُمْسِكَةً بِحَقِيبَتِهَا بِقُوَّة. بَعْدَ سَاعَةٍ، تَوَقَّفَتِ الحَافِلَةُ أَمَامَ بَوَّابَةِ المَدِينَةِ القَدِيمَة؛ شَوَارِعُ ضَيِّقَةٌ، رَائِحَةُ بَخُورٍ وَتَوَابِلَ، وَضَجِيجٌ بَشَرِيٌّ لَا يَنْقَطِع. ​"هَلْ تَقِيسِينَ المَسَافَةَ بَيْنَ كُلِّ زُقَاقٍ وَآخَرَ بِالمِسْطَرَةِ أَيْضاً؟" جَاءَ صَوْتُ ليام سَاخِراً مِن خَلْفِهَا. كَانَ يَرْتَدِي سُتْرَةً سَوْدَاءَ وَيَضَعُ يَدَيْهِ في جُيُوبِهِ بِلَامُبَالَاة. ​"هَذَا المَكَانُ مُقْرِفٌ،" هَمَسَتْ ناي وهِيَ تُنَحِّي خُصْلَةً مِنْ شَعْرِهَا عَنْ عَيْنَيْهَا، "لَا يُوجَدُ نِظَامٌ، النَّاسُ يَمْشُونَ في كُلِّ اتِّجَاه، وَالبَاعَةُ يَصْرُخُونَ دُونَ سَبَب." ​"هَذَا يُسَمَّى (حَيَاةً) يَا ناي،" قَالَ ليام وهُوَ يَقْتَرِبُ مِنْهَا، "تَعَالَيْ مَعِي، سَأُرِيكِ شَيْئاً لَا يُمْكِنُ لِدَفْتَرِكِ أَنْ يَسْتَوْعِبَهُ." ​دُونَ أَنْ تَدْرِي، وَجَدَتْ ناي نَفْسَهَا تَتْبَعُهُ بَعِيداً عَنْ مَجْمُوعَةِ الطُّلاب. دَخَلَا في زُقَاقٍ ضَيِّقٍ يَنْتَهِي بِمَيْدَانٍ صَغِيرٍ فِيهِ نَافُورَةُ مَاءٍ قَدِيمَةٌ مَهْجُورَة. ​تَوَقَّفَ ليام، وَأَشَارَ إِلى جِدَارٍ مُغَطًّى بِالنَّبَاتَاتِ المُتَسَلِّقَة: "انْظُرِي إِلى هَذِهِ النَّبَاتَات. هِيَ تَنْمُو بِعَشْوَائِيَّةٍ مُطْلَقَة، لَكِنَّهَا تَخْلُقُ لَوْحَةً فَنِّيَّةً لَا يُمْكِنُ لِأَيِّ مُهَنْدِسٍ أَنْ يُصَمِّمَهَا. هَلْ تَعْرِفِينَ لِمَاذَا؟" ​نَظَرَتْ ناي بِتَمَعُّنٍ، وحَاوَلَتْ أَنْ تَجِدَ "تَنَاظُراً" فِيهَا فَلَمْ تَجِدْ. "لِمَاذَا؟" سَأَلَتْ بِخُفُوت. "لِأَنَّهَا حُرَّة،" أَجَابَ ليام بِهُدُوءٍ غَيْرِ مَعْهُود، "الجَمَالُ يَا ناي يَسْكُنُ في الفَوْضَى، وَالمِثَالِيَّةُ هِيَ مَقْبَرَةُ الإِبْدَاع." ​في تِلْكَ اللَّحْظَة، شَعَرَتْ ناي بِشَيْءٍ يَنْكَسِرُ دَاخِلَهَا. كَانَ كَلَامُهُ يَلْمِسُ جُرْحاً عَمِيقاً سَبَّبَهُ لَهَا والِدُهَا إِدْوَارْد. لَأَوَّلِ مَرَّة، لَمْ تُخْرِجْ دَفْتَرَهَا لِتُدَوِّنَ مُلَاحَظَةً. بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ، نَظَرَتْ إِلى ليام، وَرَأَتْ في عَيْنَيْهِ لَمْعَةً مَأْلُوفَة.. لَمْعَةَ شَخْصٍ يَهْرُبُ مِنْ شَيْءٍ مَا تَمَاماً مِثْلَهَا. ​"لِمَاذَا أَنْتَ هُنَا يَا ليام؟" سَأَلَتْهُ فَجْأَة، "في هَذِهِ المَدْرَسَة؟ أَنْتَ لَا تَبْدُو كَشَخْصٍ يُحِبُّ القَوَانِينَ." ​تَحَوَّلَتْ مَلَامِحُ ليام إِلى الجُمُود، وَنَظَرَ بَعِيداً: "لِأَنَّ الحَقِيقَةَ أَحْيَاناً تَكُونُ أَصْعَبَ مِنْ أَنْ نُواجِهَهَا في الخَارِج. هُنَا، يُمْكِنُنَا أَنْ نَتَظَاهَرَ بِأَنَّنَا مَحْمِيُّونَ خَلْفَ الجُدْرَان. ​عِنْدَ عَوْدَتِهَا إِلى المَدْرَسَةِ مَسَاءً، وَجَدَتْ ناي رِسَالَةً وَرَقِيَّةً مَوْضُوعَةً تَحْتَ بَابِ غُرْفَتِهَا. لَمْ تَكُنْ رِسَالَةً رَسْمِيَّة، بَلْ وَرَقَةً مُمَزَّقَةً كُتِبَ عَلَيْهَا بِخَطٍّ غَرِيب: "لَا تَثِقِي بِالذَّاكِرَة، فَهِيَ أَوَّلُ مَنْ يَخُون." ​انْقَبَضَ قَلْبُهَا. مَنْ قَدْ يُرْسِلُ لَهَا هَذَا؟ وَهَلْ لَهُ عَلَاقَةٌ بِمَا قَالَهُ ليام عَنِ الهُرُوبِ مِنَ الحَقِيقَة؟ فَتَحَتْ دَفْتَرَهَا، وَبَدَلًا مِنْ أَنْ تَكْتُبَ مُلَاحَظَةً عَنِ الآخَرِينَ، كَتَبَتْ جُمْلَةً وَاحِدَةً بِخَطٍّ مُرْتَجِف: ​"اليَوْم، شَعَرْتُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ أَنَّنِي (تَائِهَة).. ولَكِنَّ هَذَا الشُّعُورَ لَمْ يَكُنْ سَيِّئاً كَمَا تَخَيَّلْتُ.​لَمْ تَسْتَطِعْ "نَاي" النَّوْمَ في تِلْكَ لَيْلَة. كَانَتِ الكَلِمَاتُ التي تَرَكَهَا ليام في المَدِينَةِ القَدِيمَةِ تَنْحِتُ في عَقْلِهَا مَسَارَاتٍ جَدِيدَة. كَيْفَ لِشَخْصٍ فَوْضَوِيٍّ مِثْلَهُ أَنْ يَمْلِكَ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ العَمِيقَة؟ ​تَسَلَّلَتْ خَارِجَ غُرْفَتِهَا بَعْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْل، مُتَجَنِّبَةً أَعْيُنَ المَرَاقِبِينَ بِخُطُوَاتٍ مَحْسُوبَةٍ كَالعَادَة. كَانَتْ وُجْهَتُهَا المَكْتَبَة؛ لَيْسَ لِلْمُطَالَعَة، بَلْ لِلْبَحْثِ في سِجِلَّاتِ الطُّلابِ القَدِيمَة. كَانَتْ "غَرِيزَةُ المُحَقِّقَة" تَدْفَعُهَا لِمَعْرِفَةِ مَنْ يَكُونُ ليام حَقّاً. ​حِينَ دَخَلَتِ المَكْتَبَة، كَانَ الظَّلَامُ يَلُفُّ الأَرْفُفَ العَالِيَة، إِلَّا مِنْ شُعَاعٍ ضَئِيلٍ يَنْبَعِثُ مِنْ زَاوِيَةٍ بَعِيدَة. اقْتَرَبَتْ بِحَذَر، لِتَجِدَ ليام جَالِساً عَلَى الأَرْض، وَحَوْلَهُ كُومَةٌ مِنَ المَلَفَّاتِ الصَّفْرَاءَ القَدِيمَة. ​"هَلْ تَبْحَثِينَ عَنْ شَيْءٍ تَقِيسِينَهُ في هَذَا الظَّلَام يَا ناي؟" قَالَهَا ليام دُونَ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ عَنِ الأَوْرَاق. ​تَجَمَّدَتْ ناي في مَكَانِهَا، ثُمَّ تَقَدَّمَتْ بِثَبَات: "أَنْتَ مَنْ تَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ هُنَا. السِّجِلَّاتُ القَدِيمَةُ مَمْنُوعَةٌ عَلَى الطُّلاب. مَا الذي تَفْعَلُهُ؟" ​أَغْلَقَ ليام المَلَفَّ بِقُوَّة، وَنَظَرَ إِلَيْهَا بِنَظْرَةٍ حَادَّةٍ لَمْ تَرَهَا مِنْ قَبْل: "أَبْحَثُ عَنْ نَفْسِي يَا ناي. أَبْحَثُ عَنْ أَشْخَاصٍ مَحَتْهُمُ المَدْرَسَةُ مِنْ ذَاكِرَتِهَا كَأَنَّهُمْ لَمْ يُوجَدُوا قَط." ​لَمَحَتْ ناي صُورَةً قَدِيمَةً مُمَزَّقَةً بَيْنَ أَوْرَاقِهِ، كَانَتْ لِطِفْلٍ صَغِيرٍ يَمْلِكُ نَفْسَ مَلَامِحِ ليام، لَكِنَّ هُنَاكَ شَيْئاً آخَرَ مَأْلُوفاً في تِلْكَ الصُّورَة.. شَيْءٌ يُشْبِهُ تَقَاسِيمَ وَجْهِ أُمِّهَا إِليزَابِيث. شَعَرَتْ بِدُوَارٍ خَفِيف، لَكِنَّهَا طَرَدَتِ الفِكْرَةَ فَوراً؛ فَمِنَ المُسْتَحِيلِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ رَابِط. ​"لِمَاذَا تَهْتَمُّ بِالمَاضِي إِلى هَذَا الحَد؟" سَأَلَتْهُ بِنَبْرَةٍ أَقَلَّ حِدَّة. "لِأَنَّ المَاضِيَ هُوَ القَيْدُ الوَحِيدُ الذي لَا يُمْكِنُ لِدِقَّتِكِ أَنْ تَكْسِرَهُ،" أَجَابَ ليام وهُوَ يَقُومُ، "اذْهَبِي إِلى غُرْفَتِكِ يَا ناي. هُنَاكَ أَسْرَارٌ إِذَا عَرَفْتِهَا، لَنْ تَعُودِي تِلْكَ الفَتَاةَ المُنَظَّمَةَ أَبَداً, ​مَرَّ أُسْبُوعٌ بَعْدَ تِلْكَ اللَّيْلَة، وَبَدَأَ نِظَامُ ناي الحَدِيدِيُّ يَتَرَدَّى. لَأَوَّلِ مَرَّة، رَسَبَتْ في اخْتِبَارِ الرِّيَاضِيَّات؛ لَيْسَ لِأَنَّهَا لَا تَعْرِفُ الحَلّ، بَلْ لِأَنَّ عَقْلَهَا كَانَ مَشْغُولًا بِتَحْلِيلِ كَلِمَاتِ ليام. ​اسْتَدْعَتْهَا المُشْرِفَةُ "مارغريت" إِلى مَكْتَبِهَا. "ناي فيكتور.. وَالِدُكِ يَتَوَقَّعُ النَّتَائِجَ الكَامِلَة. مَا الذي يَحْدُثُ؟ هَلْ هُنَاكَ مَا يُشَتِّتُ ذِهْنَكِ؟" ​نَظَرَتْ ناي إِلى خَاتَمِ المُشْرِفَةِ الذي كَانَ يَلْمَعُ تَحْتَ الضَّوء، وَلَمْ تُجِبْ. كَانَتْ تَشْعُرُ أَنَّهَا تَتَفَكَّك. صَارَتِ القَوَانِينُ تَبْدُو لَهَا كَسُجُون، وَالصَّمْتُ الذي كَانَتْ تُقَدِّسُهُ صَارَ يُصِيبُهَا بِالاِخْتِنَاق. ​خَرَجَتْ مِنَ المَكْتَبِ تَبْحَثُ عَنْ ليام. كَانَتْ بِحَاجَةٍ إِلى أَنْ تَسْمَعَ صَوْتَهُ، أَنْ يُخْبِرَهَا مَرَّةً أُخْرَى أَنَّ الفَوْضَى حَقِيقَة. بَحَثَتْ عَنْهُ في الحَدِيقَة، في المَكْتَبَة، في مَلْعَبِ المَدْرَسَة.. لَكِنْ لَا أَثَرَ لَهُ حِينَ حَانَ مَوْعِدُ العَشَاء، كَانَ مَقْعَدُ ليام فَارِغاً. سَأَلَتْ ناي بَعْضَ الطُّلاب، لَكِنَّ الجَمِيعَ كَانَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا بِتَعَجُّب، وَكَأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ عَمَّنْ تَتَحَدَّث. ​"ليام؟ لَا يُوجَدُ طَالِبٌ بِهَذَا الاِسْمِ في صَفِّنَا يَا ناي،" قَالَتْ إِيلين بِبَرَاءَةٍ قَاتِلَة. ​انْتَفَضَتْ ناي. رَكَضَتْ إِلى غُرْفَتِهِ، وَجَدَتِ البَابَ مَفْتُوحاً.. الغُرْفَةُ كَانَتْ خَالِيَةً تَمَاماً، لَا ثِيَاب، لَا كُتُب، لَا رَائِحَةَ رَمَاد. كَأَنَّهُ لَمْ يَسْكُنْ هُنَا قَط. ​عَادَتْ إِلى دَفْتَرِهَا، فَتَحَتْهُ عَلَى صَفْحَةِ "ليام"، لِتَجِدَ أَنَّ الصَّفْحَةَ قَدْ مُزِّقَتْ بِعِنَايَة. لَمْ يَبْقَ سِوَى أَثَرِ القَلَمِ عَلَى الوَرَقَةِ التي تَلِيهَا، كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَط كَانَ قَدْ نَقَشَهَا قَبْلَ رَحِيلِهِ: "انْتَظِرِينِي.. حِينَ يَتَوَقَّفُ الزَّمَنُ عَنِ الدَّوَرَان سَقَطَتْ ناي عَلَى رُكْبَتَيْهَا. لَقَدْ تَعَلَّمَتِ الدَّرْسَ الأَوَّلَ في الحَيَاةِ بِطَرِيقَةٍ قَاسِيَة: الدِّقَّةُ لَا تَحْمِي مِنَ الفَقْد، وَالعَقْلُ لَا يَمْلِكُ إِجَابَاتٍ لِكُلِّ التَّسَاؤُلَات. مِنْ هُنَا، بَدَأَ اِكْتِئَابُهَا الأَوَّل، وَبَدَأَتْ مَعَهُ رِحْلَةُ تَحَوُّلِهَا مِنْ طَالِبَةٍ مِثَالِيَّةٍ إِلى شَخْصٍ يَبْحَثُ عَنِ الحَقِيقَةِ في حُطَامِ الذِّكْرَيَات.