روس - نار الشباب - بقلم محمد شريف السماحي | روايتك

اسم الرواية: روس
المؤلف / الكاتب: محمد شريف السماحي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: نار الشباب

نار الشباب

الفصل الثالث – نار الشباب لم يكد روس يبلغ الخامسة عشرة حتى وجد نفسه يُساق إلى ميدان الحرب. على أسوار فالون ارتفعت الأعلام السوداء لجيش غريبٍ اخترق الحدود الجنوبية. الجنود يتأهبون، طبول الحرب تدقّ كأنها نبض الأرض نفسها، ورائحة الحديد تسبق صوت السيوف. وقف الملك ألدار على رأس جيشه، درعه يلمع تحت شمسٍ محتقنة. إلى جواره ابنه، درعه أصغر من أن يخفي ارتجاف كتفيه، لكن في عينيه تلك اللمعة التي لم تخمد منذ الطفولة. اقترب القائد دارفال، صوته كالصخر: — "الجنود جاهزون يا مولاي. لكن… هل من الحكمة أن ينزل الأمير اليوم؟" رد ألدار بصرامة: — "لن يكون ملكًا من لم يتذوق الدم." ثم التفت إلى روس وقال: — "اليوم يا بُني، إما أن تكتب أول سطر في تاريخك… أو أن تُمحى قبل أن تبدأ." أمسك روس بسيفه، يديه ترتعشان، لكنه رفع رأسه. همس في نفسه: "لن أكون ضعيفًا… لن أكون مجرد وريث." انطلقت الأبواق، وانفتحت الأبواب الثقيلة. تدفق الجنود كطوفان من الصلب. كان صليل السيوف أول موسيقى سمعها روس في الحرب. اندفع خلف دارفال، والعرق يتصبب من جبينه. أول مواجهة كانت سريعة؛ شاب مثله من جيش الأعداء، عيون غاضبة ويد مرتجفة. تردد روس لحظة، ثم اندفع. ارتطم السيفان، وشعر بصدمة الحديد حتى عظامه. دفعه خصمه بقوة، فسقط على ركبتيه، لكن شيئًا في داخله صرخ: انهض! فعل. ضرب مرة ثانية، وهذه المرة أصاب. الدم تناثر على وجهه. وقف مشدوهًا، يتنفس كأنه يغرق. لم يمت الرجل بعد، لكنه وقع أرضًا، يصرخ. في تلك اللحظة، أدرك روس أنه لم يعد طفلًا… لكنه أيضًا لم يعد بريئًا. في قلب المعركة، صرخ دارفال: — "إلى الأمام! لا تتراجعوا!" ورأى روس أباه يقاتل كوحش، كل ضربة من سيفه تسقط رجلاً. لكن المشهد الذي لم ينسه أبدًا كان عندما التفّ عليه ثلاثة من الأعداء. كاد يسقط، لولا أن إيروين اندفع من بين الصفوف. ضرب بسيفه، دافع عنه حتى تمكن روس من استعادة توازنه. تناثرت الدماء حولهما، ووقف روس يلهث. التقت عيونهما للحظة قصيرة، وفيها امتنان لم يُقال بالكلمات. مع غروب الشمس، تراجع الأعداء. ساحة المعركة امتلأت بالجثث، والدخان يصعد من الأرض كأرواحٍ صامتة. وقف روس فوق جثة أول رجل قتله، يده لا تزال ترتعش، وعيناه تائهتان. اقترب أبوه، وضع يده الثقيلة على كتفه، وقال بنبرةٍ لم يعرف هل هي فخر أم تحذير: — "اليوم أصبحتَ رجلًا." لكن في داخله، لم يشعر روس إلا بفراغٍ ثقيل. نظر إلى السيف الملطخ بالدماء، وهمس: — "اليوم… فقدت شيئًا لن يعود." في تلك الليلة، بينما احتفل الجنود بالنصر، جلس روس وحده في خيمته، يغسل يديه مرارًا وتكرارًا. الدم لا يزول من جلده، ولا من ذاكرته. دخل إيروين، جلس إلى جواره بصمت طويل، ثم قال: — "النصر له ثمن، يا صديقي. اعتد على دفعه." أطرق روس برأسه، ثم رفع عينيه المختلفتين نحو صديقه. في صمته كان وعدٌ غير معلن: أن ما بدأه اليوم، لن ينتهي إلا بالدم أيضًا. وفي قاعة الطقوس البعيدة، كان ماروس يدوّن على رقعة قديمة: "الولد شرب من الكأس الأولى… كأس الحياة. سيأتي يوم يشرب الثانية."