روس - طفوله تحت الظلال - بقلم محمد شريف السماحي | روايتك

اسم الرواية: روس
المؤلف / الكاتب: محمد شريف السماحي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: طفوله تحت الظلال

طفوله تحت الظلال

الفصل الثاني – طفولة تحت الظلال مرت السنوات الأولى في قصر ألكاريس بطيئة كأن الزمن يتثاقل فوقها. كان الأمير الصغير روس يكبر، لكن لم يكبر كالأطفال الآخرين. عينيه المختلفتين ظلّتا حديث القصر، ونظرات الناس نحوه دائمًا تحمل خليطًا من الفضول والريبة. في الساحة الملكية، حين كان الأطفال يركضون خلف الكرات الخشبية، كان روس يقف وحيدًا في زاوية، يتأمل السماء أو يلمس التراب بين أصابعه. وحين يقترب منه أحد الصبية، يلمح في نظرته شيئًا غريبًا… مزيجًا من الحدة والهدوء، وكأنه أكبر من عمره بسنوات. الملكة ليانا حاولت أن تحميه من همسات الحاشية. كانت تضمّه إليها وتهمس في أذنه: — "أنت لست مختلفًا يا روس… أنت مُختار." لكن كلماتها لم تمنع الوحدة من التسلل إلى قلبه. أما الملك ألدار، فكان يرى في ابنه ميراثًا لا يجوز أن يضيع. وضع السيوف بين يديه منذ صغره، وأمر القائد دارفال أن يدرّبه. لم يكن درفال رفيقًا رحيمًا؛ كان يضربه إذا تعثر، ويصيح في وجهه إذا أخطأ: — "القوة وحدها لا تكفي يا أمير! لو حملت السيف بلا عقل، ستحمله مرة أخيرة فقط!" كان روس يبتلع إهانته، يحاول أن يقف من جديد، بينما الدم ينزف من كفه الصغيرة. في إحدى المرات، أمسك بالسيف أكبر من حجمه، فزلّت يده وارتطم الحديد بالحجر. انكسرت شفته، وامتلأ فمه بالدم. صرخ ألدار من بعيد، صوته كالرعد: — "إن كنت لا تستطيع السيطرة على سيفك، فكيف ستسيطر على مملكتك؟!" ارتجف روس، لكنه رد للمرة الأولى، بعناد طفل لا يعرف الخوف: — "سأتعلم. وسأكون أقوى من أي ملك قبلي." ساد صمت في الساحة، حتى دارفال نفسه تراجع خطوة للخلف. نظر الملك إليه طويلًا، مزيج من الغضب والفخر يملأ وجهه، ثم استدار ورحل من غير كلمة. في تلك اللحظة، اقترب إيروين، صديقه الوحيد، وربت على كتفه: — "كنت شجاعًا يا روس… لكن لا تنسَ، ليس السيف وحده ما يحمي الملك." ابتسم روس ابتسامة قصيرة، كأنها وعد لم يكتمل. الكاهن الأكبر ماروس ظل يراقبه عن بُعد. كان يستدعيه أحيانًا إلى قاعة الطقوس، يضع أمامه الكأس الفضي، يلمّس العلامة الحمراء على كتفه، ثم يغمغم بكلمات لا يفهمها. ذات مرة سأل روس ببراءة: — "هل أنا مختلف حقًا يا ماروس؟" أجابه الكاهن وهو يحدّق في عينيه المختلفتين: — "الاختلاف ليس لعنة يا روس… لكنه ثمن. وكل ثمن لا بد أن يُدفع يومًا." لم يفهم الطفل ما قصد، لكنه شعر بالبرد يتسلل إلى قلبه. وفي إحدى الليالي الماطرة، جلس روس قرب نافذته، سأل خادمه الوفي سيراف بصوت مكسور: — "لماذا ينظرون إليّ هكذا يا سيراف؟ لماذا لا يرون إلا عيني؟" تردّد سيراف قبل أن يجيب: — "لأنهم لا يعرفونك بعد، سيدي. سيأتي يوم… يرون فيه ما هو أبعد من عينيك." أغلق روس عينيه، وتخيل نفسه يحمل السيف من جديد، لا يسقط هذه المرة. في قلبه الصغير بدأ يتشكل سؤال أكبر من سنّه: هل سيكون مجرد وريث للعرش؟ أم شيئًا آخر، لا يعرفه بعد؟ وفي قاعة الطقوس، كان ماروس ينقش بيده المرتجفة على جدار حجري: "عينان مختلفتان… علامة لمصير مزدوج. إذا حمل السيف، كُتبت الدماء. وإذا شرب من الكأس، فلن يعود كما كان." لم يكن أحد يعلم أن تلك الطفولة، المليئة بالجروح الصغيرة والوحدة الثقيلة، كانت تصنع شابًا لا يشبه الملوك، ولا يشبه عامة الناس… بل شيئًا بين الاثنين، مهيأً لأن يقف يومًا على حافة المجد والسقوط معًا.