روس - ميلاد الملك - بقلم محمد شريف السماحي | روايتك

اسم الرواية: روس
المؤلف / الكاتب: محمد شريف السماحي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: ميلاد الملك

ميلاد الملك

الفصل الأول – ميلاد الملك كانت الليلة في فالون مختلفة عن كل الليالي التي عرفتها العاصمة من قبل. الغيوم الكثيفة غطّت القمر حتى اختفى، والريح تعصف بأبراج القصر العالي كأنها تنذر بقدوم عاصفة لا أحد يقدر على صدّها. أضواء المشاعل في الشوارع بدت صغيرة، خافتة، أمام هذا الليل الثقيل. في قصر ألكاريس، تردّد صدى خطواتٍ متسارعة في الردهات الرخامية. الخدم يركضون بين الأبواب حاملين المياه الساخنة والملاءات البيضاء، والجنود يقفون متحفزين، لا أحد يجرؤ على الكلام. الجميع كان يعلم أنّ هذه الليلة ستحدّد مصير المملكة. في الغرفة الداخلية، جلست الملكة ليانا على سريرٍ عريض، جبينها يتصبب عرقًا، أنفاسها متقطعة، وصوتها يتردد بين الألم والدعاء. بجانبها القابلات، وأمام الباب يقف الملك ألدار متصلبًا، كأنّ هيبته العسكرية لا تسمح له بأن يُظهر قلقه. لكنه في داخله كان يشتعل. وفجأة، اخترق الصمت صوت بكاء طفل… لكنه لم يكن كالبكاء المعتاد. صرخة قصيرة، تبعتها لحظة صمت طويلة، ثم خرج الصوت مجددًا، أضعف… وكأن الطفل لم يكن يصرخ طلبًا للهواء، بل اعتراضًا على دخوله هذا العالم. اقترب ألدار بخطوات ثقيلة، ورفع بصره إلى السماء المظلمة من النافذة الصغيرة. حين حمل وليده بين يديه تجمّد للحظة. عينان لم تريا مثلهما مملكة إيلانثرا قط: إحداهما سوداء عميقة كالحبر، والأخرى زرقاء صافية كالنهر في الربيع. ارتجفت الملكة وهي تهمس: — "ألدار… عيناه ليستا متشابهتين." لم يرد الملك، لكن نظراته كانت أصدق من أي كلمات. في تلك اللحظة، دخل الكاهن الأكبر ماروس، رداءه الرمادي يجرّ خلفه صدى خطواته. في يده كأس فضية قديمة، منقوشة برموز أجداد الملوك. هذا الكأس يُقدَّم لكل وريث ليشرب منه أول قطرة، علامة على أنه سيحمل العرش يومًا ما. وقف ماروس أمام الجميع، رفع الكأس عاليًا وقال بصوت رخيم: — "في هذه الليلة، وُلد لنا أمير جديد… سيذوق من كأس الأسلاف كما ذاق كل من قبله. فليكن عهده طويلاً، ولتُباركه النار والماء والسماء." لكن عندما اقترب ليضع الكأس عند شفتي الطفل، ارتجفت يده فجأة. حدّق طويلًا في عيني المولود، وعرف شيئًا لم يجرؤ على قوله بصوت مرتفع. همس وحده، بالكاد مسموعًا للخادم سيراف: — "سيشرب هذا الطفل من الكأس مرتين… مرة للحياة… ومرة للسقوط." سيراف، الوفيّ الذي لا يفارق الملك، شعر بقشعريرة تسري في جسده. أراد أن يسأل، لكنه صمت، لأن صمته كان أأمن من فضح السر. رفع ألدار ابنه عاليًا أمام الحاضرين. دوّى صوت السيوف تضرب الأرض تحيةً، وارتفعت الهتافات: — "يحيا الوريث! يحيا روس!" لكن خلف الضجيج، كانت هناك عيون تراقب بصمت. القائد دارفال، بوجهه القاسي، شرب من كأس النبيذ وهو يبتسم ابتسامة لا يعرف إن كانت تهنئة أم سخرية. وفي الصفوف الخلفية، الشاب إيروين، أقرب الناس إلى البيت الملكي، كان يصفّق بحماسة صادقة، دون أن يدري أنّ هذا الطفل سيغيّر حياته إلى الأبد. مع حلول منتصف الليل، خمدت الأصوات، وعاد القصر إلى صمته. في غرفة منفردة، جلس ماروس أمام الكأس الفضي على المذبح، يمرر أصابعه على النقوش ويهمس: — "عينان بلونين مختلفين… علامة لم تُذكر إلا في أقدم النبوءات. سيحمل المجد، لكنه لن يعرف السلام." في تلك اللحظة، تحرك الطفل في مهده. صدره الصغير يرتفع وينخفض ببطء، لكنه ارتجف فجأة وكأن كابوسًا باغته في نومه الأول. اقتربت الملكة ليانا، غطته بالملاءة وهمست: — "نم يا صغيري… نم، ولا تتركني أسرى لظنونهم. ستكبر، يا روس… وستكون كما أريد، لا كما يخشون." لكن في أعماق القصر، وفي أعماق قلوب الحاضرين، ترسّخ شيء لن يزول: الاختلاف. ومن الاختلاف وُلد الخوف. ومن الخوف تبدأ المأساة.