الفصل 9 : خلف الستار
في تلك الليلة… لم يكن القمر شاهداً بريئاً.
كان معلقاً فوق القصر كعينٍ قديمة، يرى ما لا يُقال، ويسمع ما لا يُهمس به إلا للظلال.
بينما ارتفعت الأعلام وارتجفت الجدران على إيقاع الأبواق، كانت هناك خيوط غير مرئية تُسحب ببطء… خيوط بدأت قبل أن تُفتح الأبواب، وقبل أن يُنطق اسم وليّ العهد.
لم يكن الاحتفال سوى ستار.
ولم تكن البداية كما ظنّ الجميع.
ففي عمق القصر، حيث ينام الحجر على أسرار القرون، تحرّك شيءٌ أخيراً…
شيءٌ انتظر طويلاً عبور فتاةٍ من مرآة،
ليعلن أن الزمن نفسه… قابل للكسر.
في الجهة الشرقية من القصر…
بعيداً عن الأضواء والموسيقى والاحتفال، كانت هناك غرفة لا يصلها سوى ضوء شمعة واحدة.
جلس الرجل في الظل، لا يظهر من وجهه سوى خط فكه الحاد وعينين باردتين تلمعان في العتمة.
أصوات التصفيق من القاعة الكبرى كانت تصل خافتة.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
“إذن… بدأ أخيراً.”
طرِق خفيف على الباب.
لم يلتفت.
“ادخلي.”
دخلت الخادمة.
لكنها لم تكن تلك الفتاة المرتبكة التي تتحرك بين الضيوف.
خطواتها هنا كانت ثابتة. هادئة. محسوبة.
أغلقت الباب خلفها بإحكام.
انحنت قليلاً، ثم قالت بصوت منخفض: “تم إعلان ولي العهد كما خططتم.”
اقتربت من الطاولة، وضعت قطعة قماش صغيرة عليها الرمز نفسه الذي وجدته دجى سابقاً.
“وهي؟” سأل دون أن ينظر إليها.
ترددت نصف ثانية فقط.
“كانت في القاعة. رأت كل شيء.”
رفع عينيه أخيراً.
“هل بدأت تشك؟”
“نعم.” قالتها بهدوء. “ليست غبية كما توقع البعض.”
صمت الرجل لحظة… ثم وقف.
كان أطول مما يبدو وهو جالس. حضوره ثقيل، كأن الغرفة تضيق كلما تحرك.
“المرآة اختارتها لسبب.” قال ببطء.
“وليس من السهل كسر اختيار المرآة.”
الخادمة رفعت رأسها قليلاً. “لكن إن تذكرت الحقيقة كاملة… سيتغير كل شيء.”
اقترب منها خطوة.
“لهذا لن نتركها تتذكر.”
في تلك اللحظة…
ارتفع صوت أبواق جديد من القاعة.
ابتسم مرة أخرى.
“ليلة إعلان ولي العهد… هي الليلة التي بدأت فيها النهاية.”
الخادمة شدّت أصابعها.
“وماذا عن الأمير لوسيان؟”
توقف.
ولأول مرة… اختفت الابتسامة.
“هو العقبة الوحيدة.”
ثم التفت نحو النافذة الضيقة.
“راقبيها. اقتربي منها أكثر. اجعليها تثق بكِ.”
الخادمة أومأت.
“ومتى نتحرك؟”
صوته جاء بارداً: “حين تتذكر… أو حين يحاول هو حمايتها.”
في الجهة الأخرى من القصر…
كانت دجى تقف وحدها في الشرفة، الهواء الليلي يلامس وجهها، وقلبها ما زال عالقاً بين الماضي والحاضر.
لم تكن تعلم…
أنها لم تعد فقط جزءاً من اللعبة.
بل أصبحت الهدف.
وفي مكان ما في الظل…
شخصان يراقبان خطواتها القادمة.
والليلة… لم تنتهِ بعد.