الفصل الخامس
الليل كان ساكن…
لكن داخل القصر، الهدوء هذا كان خداع.
الرياح تمشي بين الأشجار، صوتها خافت، بس إحساسها بارد.
كل غرفة فيها نور خفيف… وكل شخص فيها غارق بأفكاره.
اسم واحد يلف في عقولهم جميعًا:
عبدالله.
لكن السؤال اللي بدأ يكبر أكثر:
وش علاقته فيهم فعلًا؟
ريان كان واقف في مواقف السيارات تحت مبنى الشركة.
الإضاءة البيضاء فوقه تعكس ظلال طويلة، والمكان شبه فاضي.
واقف عند سيارته الرياضية، يحاول يهدّي أعصابه، يمرر يده في شعره، يتنفس بعمق.
جواله اهتز.
إشعار جديد.
رقم مجهول.
فتح الرسالة بدون تفكير.
"لو تبي تعرف الحقيقة عن أبوك… اسأل أخوك."
تجمد.
قلبه دق بقوة، كأنه ارتطم بصدره.
كتب بسرعة:
"من أنت؟"
ما جا رد.
أعاد قراءة الرسالة ببطء.
أبوك.
مو أبوكم.
فرق بسيط…
لكنه مرعب.
همس لنفسه:
"وش تقصد بأبوك…؟"
الفكرة دخلت عقله رغمًا عنه.
هل فيه شي مختلف بينهم؟
هز رأسه بقوة وكأنه يطرد الفكرة.
لكن الشك… إذا دخل… ما يطلع بسهولة.
دخل القصر بخطوات سريعة.
لقى كنان في المجلس، جالس يراجع أوراق المشروع بهدوء المعتاد.
ريان رمى الجوال قدامه.
"اقرأ."
كنان أخذه، قرأ الرسالة.
ملامحه ما تغيرت…
لكن عينه لمع فيها شيء خفيف — شيء ريان لاحظه فورًا.
"وش يعني هذا؟" قال ريان بحدة.
كنان رجع الجوال له بهدوء:
"رقم مجهول… ممكن استفزاز."
ريان هز رأسه بعصبية:
"لا تحاول تهدي الموضوع! ليه قال اسأل أخوك؟ ليه مو اسأل أبوك؟"
صمت.
كنان رفع نظره له بثبات:
"وش تلمّح له؟"
ريان اقترب خطوة، صوته انخفض لكنه صار أخطر:
"في شي ما نعرفه… صح؟"
كنان شد فكه.
"كلنا ما نعرف أشياء."
ريان رد بسرعة:
"بس أنت دايمًا تعرف أكثر."
الجملة نزلت كاتهام مباشر.
كنان وقف فجأة.
"لا تتهمني بشي مو موجود."
ريان:
"أنا ما أتهم… أنا أسأل."
الهواء بينهم صار ثقيل.
سنين من الثقة بدأت تتصدع بلحظة شك.
عند الباب، كانت وسن واقفة.
سمعت آخر جملة.
وقلبها بدأ يخفق بخوف حقيقي.
في غرفتها، مشاعل كانت جالسة قدام لابتوبها.
الغرفة مظلمة إلا من ضوء الشاشة الأزرق.
فتحت حساب إعلامي معروف، وبدأت تكتب مسودة خبر:
"مشروع عقاري ضخم تحت تساؤلات قانونية حول ملكيته."
توقفت.
ما نشرت شي.
بس حفظته.
همست بابتسامة خفيفة:
"إذا احتجت أضغط عليهم… زر واحد يكفي."
جوالها اهتز.
ردت بهدوء:
"إيه… الرسالة وصلت له."
استمعت للطرف الآخر، ثم قالت:
"ردة فعله؟ متوقعة."
أغلقت الخط.
وابتسامتها صارت أعمق.
واضح إنها تعرف عن الرسالة أكثر من أي أحد.
في المكتب القانوني، كانت ديم تراجع ملفات قديمة.
دخل كنان بهدوء.
"عندك دقيقة؟"
رفعت عينها له، نظرتها أهدأ من المعتاد:
"أكيد."
جلس قدامها.
ظل صامت لحظة.
ثم قال بصوت أخف من عادته:
"لو طلع في شي بالماضي… شي يغير كل شي…"
قاطعته بلطف:
"الحقيقة ما تخوّف قد ما يخوّف الجهل."
نظر لها طويلًا.
ابتسم بخفة لأول مرة من أيام.
"وجودك مريح… تعرفين؟"
ترددت لحظة، ثم قالت بابتسامة صغيرة:
"وأنت إذا هديت… تصير إنسان مختلف."
النظرات بينهم طالت أكثر من اللازم.
توتر خفيف… لكنه دافئ.
كنان قال بهدوء:
"إذا صار شي… أبيك تكونين معي بهالقضية."
ديم ردت بثقة:
"أنا مع العدالة أولًا."
ثم أضافت بنبرة أخف:
"ومعك… إذا كنت على حق."
ابتسم.
ولأول مرة منذ بدأت العاصفة… حس بشي يشبه الطمأنينة.
في نفس الوقت…
ريان كان في غرفته.
قاعد على طرف السرير، يعيد قراءة الرسالة.
فتح درج مكتبه.
أخرج صورة قديمة له ولـكنان وهم أطفال… مع والدهم.
نظر للصورة طويلًا.
ضحكاتهم.
التشابه بينهم.
يد والدهم على كتفيهم.
همس لنفسه:
"مستحيل…"
لكن الشك كان أقوى من كلمة.
جواله اهتز مرة ثانية.
نفس الرقم.
فتح الرسالة.
"الاختبار الحقيقي قريب… ومو كل التوأم إخوة."
شهق.
يده بردت.
النص كان واضح… وصادم.
مو كل التوأم إخوة.
يعني وش؟
نفس الأم… لكن؟
ولا…
لا.
وقف فجأة.
تنفسه صار أسرع.
في مكان مظلم خارج القصر…
شخص مجهول كان جالس قدام طاولة خشبية قديمة.
قدامه صورة كبيرة للعائلة.
أصابعه تمر ببطء على وجه أحد التوأم.
ابتسم ابتسامة باردة.
وقال بهدوء:
"الحقيقة… ما تكسّرهم بس."
توقف لحظة.
ثم همس:
"بتقسمهم."
وأطفأ النور.
العاصفة ما عادت بس عن أرض…
ولا عن وصية…
ولا عن اسم قديم.
العاصفة الآن…
دخلت البيت.
ودخلت بين الأخوين.