أطيــــــــاف تنــــــام فـي عـــــتمتي - الفصل الحادي عشر | روايتك

اسم الرواية: أطيــــــــاف تنــــــام فـي عـــــتمتي
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الحادي عشر

الفصل الحادي عشر

" the writer Aridj " . . . شعورٌ صغير… يقف على أعتاب قلبي، كطفلٍ يتيمٍ أضاع الطريق إلى اسمه، فلا هو دخل فاستقرّ، ولا هو انصرف فاستراح. شعورٌ لم أرَ ملامحه بعد، لم ألمح قسماته، لم أعرف إن كان يحمل في عينيه نورًا أم ظلالًا. إنه يختبئ خلف شرياني وأوردتي، يتوارى في العتمة الدافئة التي يسكنها النبض، كأنه يخشى أن أقبض عليه إن أنا سمّيته، أو أن يتبدد إن أنا واجهته. أحاول أن أشعل فتيلةً صغيرة في داخلي، قبسًا من يقين، شرارةً من وضوح، لعل الضوء يكشف لي ملامحه، لعلني إذا رأيته بعينيّ خفّ وطؤه على صدري. لكن الفتيلة تنطفئ كلما لامستها تيارات الأحزان الباردة. ريحٌ خفية تمرّ من بين أضلعي، تطفئ كل نورٍ أوقِده، وتعيدني إلى عتمة السؤال الأول: ما هذا الشعور؟ أهو خوفٌ من المستقبل؟ أم خوفٌ من أن يمرّ العمر دون أن تتحقق أمنياتي؟ أخاف أن لا تتحقق أحلامي التي نسجتها بخيوط الانتظار الطويل، أخاف أن لا ألتقي بمن أحببت، أن يظل اسمه معلقًا في سماء قلبي دون أن يصبح يومًا قدرًا مكتوبًا في صفحات حياتي. أخاف أن أُطعن بسكيني أنا، أن أكون سبب وجعي، أن أهزم نفسي بنفسي، أن أضيّع ما أحب بيدي المرتعشتين. أخاف… وأخاف… وأخاف..... يتكاثر الخوف في داخلي كما تتكاثر الظلال عند الغروب، كلما ظننت أنني حاصرت واحدًا منها، تسلل آخرى من بين أفكاري. أجدني أراقب المستقبل وكأنه بابٌ موصد، لا أعرف إن كان خلفه ضوءٌ أم هاوية. أمدّ يدي لأفتحه، فتتراجع يدي كأنها تخشى أن تمسك بما لا تحتمل. أحيانًا أقول لنفسي: دعي عنكِ الخوف، فمعكِ ربٌّ إذا شاء قال لكل شيء: كن فيكون، وإذا لم يشأ، فإنه يهيّئ لكِ الأفضل، ولو خالف هواكِ، ولو خالف كل ما رسمته في خيالكِ من تفاصيل دقيقة. أرددها كتعويذة طمأنينة، كآية نجاة، كحبلٍ أتعلّق به حين أكاد أغرق في بحر الاحتمالات. لكن النفس أمّارة بسوء الظن حين تضعف، أمّارة بالقلق حين يطول الانتظار، أمّارة بتصديق الهواجس حين يسكت العالم من حولها. أقول: إن الله لطيف، فترد النفس: وماذا لو لم يكن ما تتمنين لكِ؟ أقول: إن ما كتبه الله خير، فتهمس: وماذا لو كان الخير في غير ما تحبين؟ ولا أدري ما الحل ولا أدري كيف أتصرف ولا أعرف كيف أُبعد عني هذا الشعور الذي لا أراه، لكنه يراني، ولا ألمسه، لكنه يمسّني في أعمق نقطةٍ في صدري. أأصابني كل هذا لأنني أردت تلك الأمنيات بشدة؟ ألهذا الحدّ يصبح التعلق عبئًا حين يكبر؟ أهو ثمن الحب حين يتجذر في القلب حتى يصير جزءًا من تكوينه؟ أكل هذا لأني أحببت شيئًا بشدة، فتمنيت له الخلود، وخفت عليه من الفقد؟ أجلس مع نفسي طويلًا، أحاورها كما يحاور المرء صديقًا متعبًا. أقول لها: إن الخوف لا يغيّر ما كُتب، وإن القلق لا يعجّل القدر، وإن الحزن على ما لم يحدث بعد هو استنزافٌ لعمرٍ لم نعشه. لكنها ترد عليّ بصمتٍ ثقيل، كأنها تقول: أنا أخاف لأنني أحب، وأقلق لأنني أرجو، وأرتجف لأن أحلامي ليست أشياء عابرة، بل هي قلبي نفسه. أحيانًا أضع يدي على صدري، أتحسس ذلك الشعور الصغير، وأحاول أن أطمئنه بدل أن أقاومه. أقول له: لست عدوّي، أنت فقط وجهٌ من وجوه شدة التمني، أنت ظلّ الرغبة حين يطول انتظارها. لعلّك لست خوفًا خالصًا، بل رجاءً مكسور الجناح، يخشى أن يسقط قبل أن يبلغ السماء. ثم أرفع بصري إلى السماء، وأهمس: يا الله، اغفر لي قلّة يقيني، وسوء ظني حين يضعف قلبي. اغفر لي ارتجاف روحي حين يطول الصمت، واغفر لي دمعةً نزلت لأنني لم أحتمل الانتظار. ارزقني يقينًا لا تزعزعه الرياح، وثقةً بك لا تهزّها الظنون، وسكينةً تمشي في عروقي كما يمشي الدم. يا الله، ارزقني تحقيق أمنياتي وأحلامي التي طالما انتظرتها، والتي سهرتُ عليها لياليّ، وربّيتها في داخلي كما تُربّى الزهرة في شرفةٍ ضيقة، تخاف عليها من كل ريح. اجمعني بمن أحببت في مستقبلٍ جميل، لا يخذل قلبي، ولا يطفئ نور انتظاري، مستقبلٍ يكون فيه لقاؤنا إجابةً لكل هذا الخوف، وبرهانًا على أن الرجاء لا يضيع ما دام معقودًا بك. أعلم أن ما تكتبه لي سيكون، وأن ما لم تكتبه لن يكون، ولو اجتمعت الدنيا كلها لتمنحه لي. أعلم هذا بعقلي، لكن قلبي ما زال يتعلّم كيف يسلّم. ما زال في داخلي طفلٌ يتشبث بأمنياته ويخشى أن تُنتزع منه، طفلٌ يريد أن يرى بعينيه قبل أن يطمئن. وهكذا أبقى بين خوفٍ أقاومه، ورجاءٍ أتمسك به، ويقينٍ أتعلمه كل يوم من جديد. شعورٌ صغير يقف على أعتاب قلبي… لا أعرف اسمه بعد، لكنني بدأت أفهمه. هو ليس ضعفًا خالصًا، ولا شكًا خالصًا، بل إنسانيةٌ ترتجف حين تحب كثيرًا، وحين تريد كثيرًا، وحين تنتظر كثيرًا. وسأظل أردد، حتى يهدأ قلبي: إن كان في أمنياتي خيرٌ لي، فقرّبها يا الله حتى تدهشني،وإن لم تكن، فاصرفها عني واصرف قلبي عنها، واملأ يديّ بما هو أجمل، حتى أحمدك على ما لم يحدث، كما أحمدك على ما حدث. ولعلّ يومًا يأتي، أنظر فيه إلى هذا الفصل من حياتي، فأبتسم، وأقول: كان الخوف طريقًا خفيًا إلى الطمأنينة وكان الانتظار تربيةً للقلب وكان الله يدبّر لي ما هو أعظم مما تمنيت.