الفصل الخامس
الغرفة اللي تحت الأرض
ضحكة الطفل ما كانت طويلة.
كانت قصيرة… ومتعمدة.
كأنها تقول: أنا هنا.
الأربعة واقفين في غرفة المرآة، والباب مقفل عليهم.
سلمان حاول يفتحه بقوة.
ما تحرك.
نورة ضربت الباب بيدها.
"افتح! هذا مو وقت ألعاب!"
ماجد ما تحرك.
كان يناظر الأرض.
رهف لاحظت.
"وش فيه؟"
أشار ببطء.
الخشب تحتهم… يتحرك.
مو بقوة.
لكن فيه اهتزاز خفيف… كأن تحتهم فراغ.
الضحكة رجعت.
هالمرة أوضح.
سلمان ركع بسرعة، رفع لوح الخشب المكسور أكثر.
تحت الفجوة اللي طلع منها الصندوق… فيه فراغ أعمق.
وسلم حديدي صغير ينزل تحت الأرض.
نورة شهقت.
"محد قال إن فيه قبو."
ماجد رد بهدوء:
"لأن ما كان فيه."
رهف نظرت له بحدة.
"تقصد إنه… ظهر الحين؟"
ماجد:
"أقصد إن أشياء كثيرة هنا ما كانت موجودة… لين رجعنا."
الجملة علقت في صدر رهف.
كأن البيت يفتح طبقات… كل ما اقتربوا من الحقيقة.
سلمان شغل كشافه.
النور نزل في الظلام.
درج حديدي ضيق.
ينزل لمكان ما يبان آخره.
نورة ابتلعت ريقها.
"لا تقولون لي بننزل."
رهف قالت بدون ما تحس:
"لو ما نزلنا… هو بيطلع."
الصمت وافقها.
واحد واحد… بدأوا ينزلون.
الهواء تحت كان أثقل.
بارد… ورطب.
وصلوا لأرضية إسمنتية.
قبو صغير.
أصغر من المتوقع.
لكن الجدران…
كلها مخدوشة.
خطوط طويلة.
كلمات محفورة بأظافر.
رهف قربت من الجدار.
قلبها بدأ يخفق بقوة.
الكلمات واضحة رغم قدمها:
"لا تنسون."
"هو مو غلطتي."
"كنت أبغى أطلع."
نورة همست:
"مين كتب هذا؟"
ماجد كان ساكت.
عيونه ثابتة على زاوية القبو.
رهف التفتت.
هناك… سرير معدني صغير.
ومقابله كاميرا قديمة مثبتة في السقف.
سلمان رفع نظره.
"كانوا يراقبون."
نورة قالت بصوت مرتفع شوي:
"تجربة؟ تجربة على أطفال؟!"
رهف حست بصداع مفاجئ.
صورة خاطفة مرت في رأسها.
صوت رجل يقول:
"لا تخافين… هذا عشان مصلحتكم."
غرفة بيضاء.
باب مقفل.
طفل يبكي.
رهف مسكت رأسها.
"أنا… أتذكر شيء."
سلمان اقترب بسرعة.
"وش؟"
"صوت قفل… نفس الصوت اللي سمعناه قبل شوي."
ماجد أخيرًا تكلم.
"كنا ننحجز هنا."
نورة التفتت له بغضب.
"أنت تعرف أكثر مما تقول."
ماجد رفع نظره ببطء.
"كنت أكبركم."
الصمت انكسر.
رهف:
"كم أكبر؟"
"سنتين."
سلمان شد فكه.
"ليش ما قلت من البداية إنك كنت هنا؟"
ماجد رد بهدوء مؤلم:
"لأني كنت أحاول أتأكد إذا اللي أتذكره حقيقي… أو مزروع."
الكلمة نزلت مثل صدمة.
مزروع.
نورة ضحكت ضحكة قصيرة مصدومة.
"يعني ممكن كل ذكرياتنا غلط؟"
ماجد:
"ممكن."
فجأة…
الكاميرا فوقهم اشتغلت.
ضوء أحمر صغير ظهر.
الأربعة رفعوا رؤوسهم.
صوت طقطقة إلكترونية انسمع في القبو.
ثم… شاشة صغيرة في الزاوية اشتغلت.
صورة بالأبيض والأسود.
أربعة أطفال.
داخل نفس القبو.
واحد يبكي.
واحد يضرب الباب.
واحد جالس في الزاوية ساكت.
والخامس…
واقف قدام الكاميرا.
يناظرها بثبات.
رهف قربت للشاشة.
الطفلة اللي تبكي… كانت تشبهها.
سلمان همس:
"هذا أنا…"
نورة شهقت.
"وهذا أنا…"
ماجد كان يناظر الطفل الخامس.
ملامحه مشوشة… كأن الصورة ما تبي توضحه.
الطفل الخامس التفت فجأة… وناظر الكاميرا.
ابتسم.
الشاشة فجأة تشوشت.
وانطفأت.
القبو رجع مظلم.
لكن الضحكة رجعت.
مو طفولية هالمرة.
أعمق.
أثقل.
جايه من خلفهم مباشرة.
الأربعة التفتوا بنفس اللحظة.
الزاوية اللي كان فيها السرير…
صارت فاضية.
لكن الأرض قدامه…
مبتلة.
كأن أحد كان واقف هناك للتو.
رهف همست:
"إحنا ما كنا أربعة…"
سلمان رد بصوت منخفض:
"كنا خمسة."
ماجد أكمل الجملة:
"وواحد منهم… ما طلع معنا."
نورة نظرت حولها ببطء.
"وش يعني ما طلع؟"
ماجد قال بهدوء مرعب:
"يعني التجربة ما انتهت."
وفجأة…
سلم الحديد اللي نزلوا منه… ارتفع.
انطوى داخل السقف.
وانقفل الفتحه.
الأربعة صاروا تحت الأرض.
محبوسين.
ورجع نفس الصوت القديم…
صوت عبدالمحسن.
لكن مو من تسجيل.
من مكبر صوت مخفي:
"المرحلة الثانية بدأت."
رهف رفعت رأسها ببطء.
والإحساس اللي جاها كان واضح جدًا:
المزرعة ما كانت تبي تذكرهم.
كانت تبي تكمل اللي بدأته.
ونهاية الفصل كانت في اللحظة اللي انطفت فيها كل الأنوار…
وبدأ القبو يمتلئ بصوت تنفس خامس.
واضح.
قريب.
ومو منهم..