النداء القديم ـ2ـ
الخوف لم يكن شعورًا تعرفه إيميرابث جيدًا.
هي عاشت الخيانة.
عاشت الفقد.
عاشت لحظة أن ترى قلبها يُسحق أمامها.
لكن هذا… كان مختلفًا.
كان الخوف هذه المرة بلا وجه.
في الليلة التالية، لم تنم المدينة.
السماء بقيت رمادية رغم أن الوقت كان بعد منتصف الليل.
الهواء ثقيل، كأن أنفاسًا ضخمة تختبئ خلف السحب.
إيميرابث وقفت في أعلى البرج القديم، عيناها مغمضتان، تحاول أن تتبع مصدر ذلك الإحساس.
الطاقة لم تكن سوداء فقط.
كانت… عتيقة.
أقدم من اللعنات.
أقدم من العرش.
أقدم حتى من الحروب الأولى.
فتحت عينيها فجأة.
البرج اهتز.
في أقصى أطراف المدينة، ارتفع عمود من الضوء الشاحب من باطن الأرض، ثم اختفى بسرعة كما ظهر.
“لا…” همست.
هذا لم يكن سحرها.
هذا لم يكن أحد أعدائها المعروفين.
هذا كان شيئًا استيقظ بعد سبات طويل.
في الأنفاق القديمة تحت المدينة، حيث لا يجرؤ أحد على النزول منذ قرون، تشققت الأرض.
الأختام الحجرية التي وُضعت يومًا لحبس قوة لا يمكن السيطرة عليها، بدأت تتفتت ببطء.
صوت أجش خرج من الأعماق:
“دم الملكة أعادني…”
ارتجفت الجدران.
المدينة بُنيت فوق سجن.
وإيميرابث لم تكن تعلم.
في الصباح، جاءها مجلس الحراس.
لم يكن اجتماعًا عاديًا.
لم ينحنِ أحد.
“الضوء الذي ظهر البارحة لم يكن طبيعيًا.” قال قائدهم بصرامة.
“الناس خائفون.”
نظرت إليه بهدوء، لكن عينيها كانت مليئة بالقلق.
“وأنا أيضًا.”
ساد الصمت.
لأول مرة تعترف بذلك أمامهم.
“هناك شيء تحت هذه المدينة.” تابعت. “شيء لم يكن يجب أن يستيقظ.”
“وهل أنتِ السبب؟” سأل أحدهم بجرأة.
لم تجب فورًا.
لكن في داخلها… كانت تعرف.
معركتها الأخيرة كسرت توازنًا قديمًا.
الدم الذي سُفك، الطاقة التي انفجرت، الألم الذي مزّق الأرض…
كل ذلك كان مفتاحًا.
في تلك الليلة، لم تنتظر.
نزلت وحدها إلى الأنفاق.
الهواء هناك بارد، مشبع برائحة رطوبة قديمة وأسرار مدفونة.
كل خطوة كانت تزداد ثقلًا.
ثم وصلت إلى القاعة الدائرية في أعمق نقطة.
النقوش على الجدران بدأت تتوهج بخفوت.
وفي المنتصف…
شاهدت الشق.
شق عميق في الأرض، ينبعث منه ضوء باهت ونبض خافت… كأنه قلب.
وقبل أن تقترب أكثر، خرج الصوت.
واضح هذه المرة.
“وريثة النار… عدتِ أخيرًا.”
تجمدت في مكانها.
“أنا لا أعرفك.” قالت بثبات.
ضحكة منخفضة ترددت في القاعة.
“لكنك تحملين دمي.”
الضوء ازداد.
ومن داخل الشق… بدأت يد تتشكل من طاقة رمادية كثيفة.
ليست يد بشر.
أصابع طويلة، مشوهة، تتلوى كأنها تبحث عن شيء تمسكه.
إيميرابث رفعت يدها فورًا، طاقتها السوداء اشتعلت حولها.
“عود إلى ظلامك.”
لكن اليد لم تتراجع.
بل أمسكت حافة الشق… وبدأت تسحب نفسها إلى الأعلى.
“أنا لم أعد لأُحبس مجددًا.”
الأرض اهتزت بعنف.
إيميرابث أدركت الحقيقة المرعبة في تلك اللحظة:
هذا ليس خصمًا يمكن هزيمته بقوة أكبر.
هذا أصل القوة نفسها.
والشيء الذي بدأ يخرج…
لم يكن يبحث عن المدينة.
كان يبحث عنها هي.
وتحت ضوء الأنفاق الباهت،
بدأت المواجهة الأولى.