اليوم الثامن
"سكونُ الليل.. والراحة النفسية"
اجتمع شمل العائلة في الصالة وكان البيت يسوده هدوء غريب لم يكسره سوى صوت الساعة وصوت "سلمى" التي كانت تقلب في هاتفها بملل وتزفر بين الحين والاخر وهي مستلقية على الأريكة، قائلة: يا ماما، أنا مش عارفة أنام، والوقت بين التراويح والسحور بقى ممل أوي. المسلسلات خلصت، وصحابي كلهم نايمين، والبيت بقى كئيب من غير دوشة.
كانت "زينب" تراجع وردها من القرآن في هدوء، بينما كان "عادل" يستعد للنزول للمسجد، فنظر لسلمى وقال: ممل في عينك يا سلمى! ده الوقت ده هو (جواهر) رمضان. الناس بتهرب من الدوشة عشان تلاقي اللحظات دي، وإنتي عايزة دوشة؟ أنا نازل أصلي ركعتين التهجد، حد يجي معايا؟
رفعت الجدة "هنية" رأسها من فوق سجادة صلاتها الصغيرة في ركن الغرفة، وقالت بصوت يملؤه الوقار والسكينة: تعالي يا سلمى اقعدي جنبي وسيبك من المنبه اللي في إيدك ده. زمان يا بنتي، مكنش حد فينا بيعرف كلمة 'ملل' في ليالي رمضان. كان الليل ده له هيبة، كنا بنستنى الساعات دي عشان نهرب من دوشة النهار في المطبخ والعزومات ، ونختلي بنفسنا مع ربنا. صلاة التهجد دي يا بنتي كانت هي 'المغسلة' اللي بنغسل فيها هموم السنة كلها في ركعتين والناس نيام.
تابعت الجدة وهي تلمس سبحتها الخشبية: كانت أمي تقولي، يا هنية، اللي ملوش حظ من ليل رمضان، ملوش حظ من نوره. زمان كنا بنصلي في الضلمة، مفيش غير ضوء خافت من الفانوس، والسكينة بتملا البيت لدرجة إنك تحسي إن الملائكة قاعدة جنبك. مكنش فيه صور سيلفي، ولا (أنا هنا بتهجد) في استوري عشان توروا الناس انكوا بتصلو وتاخدوا اللقطه، كان الإخلاص في إن محدش يعرف إنك قمتي أصلاً. دي حاجه بينك وبين ربنا وبس مش لازم نعلنها
نظر "عمر" لجدته وقال بمرح: يعني يا تيتا، السهر ده مش عشان نخلص ليفلات الألعاب أو نتفرج على الفيديوهات؟ ده طلع خلوة واحنا مكناش عارفين!
ضحكت الجدة وقالت: أيوة يا واد ياعمر، خلوة بتشحن قلبك للأيام الصعبة. إنتوا بتسهروا تضيعوا وقت، وإحنا كنا بنسهر نشتري وقتنا الضايع بالدعاء. جربي يا سلمى تقفلي الشاشة دي، وتقفي بين إيدين ربنا في هدوء الليل، وهتعرفي إن 'دوشة القلوب' مبيسكنهاش غير السجود في وقت السهر.
الرسالة المستفادة:
"في هدوء الليل، تهمس القلوب بما عجزت عنه في صخب النهار." لا تجعلوا ليالي رمضان تضيع في الفراغ أو خلف الشاشات. التهجد ليست مجرد صلاة، بل هي لقاء خاص جداً مع الله، وفرصة ذهبية للسكينة النفسية. تعلموا فن "الخلوة"، فمن لم يذق حلاوة المناجاة في ظلام الليل، لن يدرك تماماً نور النهار. رمضان هو الوقت الذي يتوقف فيه العالم لنسمع صوت أرواحنا.
الخاتمة:
تأثرت سلمى بكلام جدتها، وقامت ببطء، توضأت وفرشت سجادتها بجانب الجدة. وفي تلك اللحظة، عم الصمت البيت، وبدأت زينب وسلمى وعمر والجدة يصلون في خشوع، وكأن البيت تحول إلى محراب كبير.
بعدما انتهوا، مالت سلمى على رأس جدتها وقبلتها وقالت: تصدقي يا تيتا؟ لأول مرة أحس إن الساعة دي مش مملة، دي طلعت أسرع ساعة في اليوم كله. مكنتش أعرف إن الهدوء له (صوت) حلو كدة ولا الراحة النفسيه دي.
قالت الجدة هنية وهي تحتضنها بابتسامة: ده صوت السكينة يا حبيبة تيتا.. والسكينة مابتنزلش غير على القلوب الصافية. قوموا بقى حضروا السحور، البركة قربت تهل مع الفجر.