الفصل الخامس والثلاثين
الجو في الفيلا كان مليان بهجة، ومروان وأهله والضيوف كانوا بيتبادلوا الضحكات في الصالة. رزان، وسط كل ده، موبايلها رن في إيدها، وكانت مكالمة من مامتها. بصت لمراد اللي كان غرقان في كلام مع سامر ومروان، ولما لاحظ حركة رزان، سألها بهدوء عن السبب.
ابتسمت وقالت له
"ماما بتتصل بيا.."
مراد، اللي بيقدر حماته جداً وبتحسسه بدفء العيلة اللي بيحبه، رد عليها بترحيب
"سلميلي عليها كتير، قولي لها وحشتني."
رزان أومأت براسها بابتسامة، وقامت وهي حاسة بسعادة داخلية، وخرجت لمكان هادي ترد على مكالمتها. حكت لمامتها تفاصيل الخطوبة، وسمعت منها كلام يطمنها ويحسسها إن مامتها مرتاحة، والراحة دي انتقلت لرزان.
بعد ما قفلت، حست برغبة في الاطمئنان على الترتيبات الأخيرة للعشا قبل ما ترجع للصالة، فمشيت ناحية المطبخ. وهي ماشية، الريحة الشهية للأكل كانت واصلة لها، بس فجأة، وهي بتمر جنب ركن جانبي قريب من المطبخ، وقفت مكانها متجمدة.. صوت خالة مراد كان واضح بلهجة كلها لوم وعتاب، والصوت كان جاي من ناحية "الصور" المعلقة في الممر الجانبي، حيث كانت آسيا واقفة مع أختها (خالة مراد)
رزان اتسمرت في مكانها، الكلام اللي سمعته خلى الأكسجين يهرب من صدرها
"إنتي ساكتة إزاي يا آسيا؟" صوت الخالة كان حاد ومليان مرارة "بعد كل اللي بينا، والترتيبات اللي كنا متفقين عليها.. إزاي مراد يقرر يتجوز 'دي' من غير ما يرجع لنا؟ يوم ما دخلها البيت وعلنها مراته قدام الكل، أنا و جوزي كنا هنتشل من الصدمة، كأنه كسر كرامتنا وكرامة منة في الأرض!"
رزان حست بدوخة، الابتسامة اللي كانت على وشها اتبخرت، وبدأت تسمع صوت حماتها وهي بتحاول تلطف الجو، بس الكلام كان وقع كالصاعقة
"يا أختي، ده نصيب.. مراد فاجأني أنا كمان، والله ما كنت أعرف إنه ناوي على الخطوة دي في الوقت ده."
الخالة كملت بلوم شديد
"كان لازم ترفضي! كان لازم توقفي المهزلة دي.. منة، مين زي منة؟ متعلمة بره، برستيج، أدب، ذكاء، ومكانتها معروفة.. دي كانت العروسة اللي تليق بمراد وباسم عيلتك "
آسيا، في لحظة ضعف، وفي محاولة عشان ترضي أختها اللي بتضغط عليها، قالت الكلمة اللي ذبحت رزان من جواها
"والله معاكي حق.. مين في جمال منة وأصلها؟ رزان.. أهي بقت موجودة في البيت، هعمل إيه؟ الأمر واقع، بس منة تفضل في مكانة تانية خالص."
وكملت بتاكيد
" دي زي بنتي دي زي رنيم تماما يااختي ...مافيش حد ياخد مكانها ...بس ارجوكي خلينا نتقبل الواقع ..."
رزان، اللي كانت من ساعات بس حاسة إنها "بنتها اللي ما خلفتهاش" بعد ما افتخرت بيها قدام الناس، دلوقتي حست إن كل كلمة حلوة كانت مجرد "تمثيلية" .
كانت واقفة ورا الصور، دموعها اتحجرت في عينيها، والإحساس بالأمان اللي كان مالي قلبها اتكسر في ثانية.
حست بغصة في حلقها، هي اللي كانت بتساير حماتها وبتحاول ترضيها بكل الطرق، اكتشفت إن كل اللي فات كان "مجاملات" عشان الست مجبورة تتقبلها . كان نفسها تخرج وتواجههم، بس جسمها كان مشلول، وكرامتها كانت بتقول لها "استخبي".. وقفت بتترعش، مش عارفة إزاي هتقدر ترجع للصالة دلوقتي وتكمل الليلة وهي عارفة إنها "غريبة" في نظر حماتها، وإن كل الفخر اللي أظهرته قدام الناس كان قناع بيتحرك حسب مصلحة العيلة.
_____
رزان كانت خلاص هتلف وتنسحب من المكان، قلبها بيتقطع وبتدعي ربنا يسترها وما حدش يشوفها وهي في الحالة دي . يا دوب لفت وراها، لقت مراد واقف، ملامحه كانت جامدة بشكل مرعب، عيونه اللي كانت من دقايق مليانة حنية، اتحولت لنظرات حدة، وكأنه سمع أو حس بكل اللي دار.
اتوترت جداً، حاولت تداري عيونها المحمرة وقالت بصوت متقطع
"م.. مراد؟ بتعمل إيه هنا؟ رنيم محتاجاك جوه.." مراد كان قام عشان يسيب لاخته مساحة تتعرف بعيلتها الثانية
ما ردش بكلمة، نظراته كانت بتخترق رزان، كان شايف انكسارها والدموع اللي محبوسة بالعافية. في لحظة، مسك إيدها بقوة، مش قسوة، لكنه مسك "حق" بيمتلكه، وسحبها معاه بخطوات واثقة وقوية ناحية المطبخ.
وهي بتقوله بصدمة مش قادرة تفلت ايدها بسبب قوة ايده
" مراد مالك ؟ مراد! إستنى ..."
أول ما دخل، كان المشهد كالتالي: آسيا وخالته واقفين، ومنة اللي كانت لسه طالعة من الحمام، اتفاجئت بيهم ودخلت وراهم بفضول، ولما شافت مراد وهو ماسك إيد رزان بالطريقة دي، ملامحها اتغيرت وعرفت انه في حاجة.
مراد ما استناش، وقف في نص المطبخ، وبص لخالته بنظرة حازمة وهادية في نفس الوقت
"يا خالتي، أنا سمعت كل كلمة اتقالت. ومحتاج أقول كلمتين عشان نقفل الموضوع ده نهائياً."
الخالة اتصدمت، وآسيا وشها اصفر من الارتباك، ومنة وقفت بذهول مش فاهمة حاجة.
مراد كمل بصوت رزين
"رزان مراتي، ودي مش مجرد كلمة، ده واقع واضح هي مش محتاجة قبول من حد، ومش مستنية شهادة من حد عشان تكون في بيتي. رزان دخلت حياتي لأنها النصيب اللي أنا اخترته، والبيت ده بيتها، والقرار ده مش للتفاوض ولا للنقاش. واحترامها من احترامي ...وحتى لو شايفة انك مش حباها او عايزاها ده مش مهم واحترامها يبقى واجب برضه"
بص لأمه آسيا، وكانت نبرته مليانة عتاب خفي
"وأنتي يا أمي، كنت فاكر إنك فعلاً شايفة رزان بنتك. أنا مش زعلان عشان كلامك لأختك، أنا زعلان إنك خبيتي جواكي مشاعر تانية، وإنك خليتي حد يقلل من قدري وقدر مراتي في بيتي."
رزان كانت واقفة، إيدها في إيد مراد، كانت بتترعش وبتبص للأرض، كانت بتهز رأسها لمراد كأنها بتقوله "كفاية، بلاش تخرب يوم رنيم"، كانت خايفة إن المشهد ده يوصل للضيوف جوه او بالاصح انه اسيا تاخد عليها نظرة انها بتفرق بينها وبين ابنها
آسيا حاولت تتكلم بضعف
"يا مراد، أنا.. أنا مكنش قصدي، كنت بس بحاول أفهم خالتك، والله ما.."
مراد قاطعها بوقار
"الأفعال أهم من الكلام يا أمي، ورزان إنسانة تستاهل كل تقدير، مش 'أمر واقع' نتقبله."
وكمل بتوضيح موجه اكثر لخالته وهو بيشد على ايدها اكثر
" عشان هي مش بس الواقع ، هي الحياة كلها "
في اللحظة دي، منة حست بتقل الموقف، وبصت لأمها بنظرة استنكار شديدة، قبل ما تاخد نفس عميق وتتكلم هي
"يا ماما، كفاية! ليه بتحطي نفسك في موقف زي ده؟"
أمها بصتلها بضيق
"إنتي بتقولي إيه يا منة؟ ده أنا بعمل كل ده عشانك!"
منة بجدية وقفت جنب مراد وقالت
"لا يا ماما، مكنش عشاني. يا رزان ، أنا آسفة على كل اللي ماما قالته، بس حابة أوضح حاجة.. أنا عمري ما حبيت مراد بالطريقة اللي أنتم متخيلينها، وعمري ما كنت عايزة أتجوزه. اللي بينا كان اتفاق عائلي، وأنا وافقت عليه لأني كنت شايفة في مراد صفات الراجل اللي يعتمد عليه، مش أكتر."
أمها صاحت بذهول مستنكر
"بتناقضيني يامنه؟ إنتي كنتِ موافقة!"
منة كملت بهدوء وهي بتبص لمراد ورزان
"كنت موافقة عشان أريحكم، واقتنعت انه مناسب مش أكثر من كده. لكن أنا ومراد اتكلمنا ووضحنا لبعض كل حاجة من زمان. زعلي الحقيقي مكنش عشان جوازه، زعلي كان من الطريقة اللي عرفت بيها، ومراد اعتذر لي وشرح لي، وأنا متمنية لهم السعادة بجد. يا ماما، كفاية بقى، خلينا عيلة واحدة ."
الخالة سكتت، وشها بقى في الأرض من كتر الحرج، وآسيا كانت واقفة مش عارفة تبص لرزان ولا لمراد. رزان كانت بتبص لمنة بصمت ومنة كانت بتبتسم لها ابتسامة خفيفة، وكأنها بتقول لها
"أنا مش عدوتك".
______
مراد سحبها من إيدها وخرجوا من المطبخ بخطوات سريعة، وأول ما بقوا في الممر البعيد عن العيون، رزان سحبت إيدها من إيده بقوة وكأنها كانت مستنية اللحظة دي عشان تنفجر.
بصت لمراد بصدمة وعيون بتلمع من الغضب والتوتر وقالت بصوت واطي ومخنوق
"إنت إيه اللي عملته ده يا مراد؟! إنت واعي للي قولته جوه؟ إزاي تحرج مامتك وخالتك بالطريقة دي قدامي؟"
مراد وقف مكانه، بصلها ببرود تام ورفع حاجبه باستنكار وقال بكلمة واحدة
"إزاي؟"
رزان كملت بعصبية متوترة، وهي مش شايفة قدامها ولا مقدرة إنه لسه جابر بخاطرها ومنصفها
"إزاي تحطني في المواجهة دي؟ أنا كنت عايزة أصلح اللي بيني وبين طنط آسيا، كنت عايزة أبقى بنتها بجد.. إنت بأسلوبك ده خليت صورتي قدامها 'الكنّة اللي بتوقع بين الأم وابنها'! بوظت كل حاجة يا مراد، خربت البرستيج اللي كنت بحاول أبني بقالي شهور!"
مراد فضل باصص لها بنظرة خالية من أي تعبير، نظرة خلت رزان تسكت غصب عنها. كان باصص لها وكأنه مش مصدق إن دي رزان اللي لسه واخد حقها من عقر دار اللي أهانها.
رد مراد ببرود جليدي، وصوت واطي بس يرعب
"تمام.. أنا آسف إني فكرت في كرامتك اللي اتهانت، وآسف إني مسمحتش لحد يقلل منك في بيتي. كنت فاكر إن مراتي غالية عندها نفسها، بس واضح إن 'صورتك' قدامهم أهم من قيمتك عندي."
رزان لسه هترد وتبرر إنها كانت خايفة على زعل مامته، مراد سابها ولف ضهره ببرود تام، ومشي ناحية الصالة من غير ما يبص وراه ولا كلمة زيادة، وسابها واقفة في الممر لوحدها.
في اللحظة دي، رزان حست ببرد حقيقي.. حست إنها من توترها وخوفها من حماتها، رمت كل اللي عمله مراد عشانها عرض الحائط. حست بغلطها، وحست إنها جرحت كرامة الراجل اللي وقف قدام أهله كلهم عشان خاطر "كلمة" اتقالت في حقها.
كانت واقفة مكانها، بتبص لضهره وهو بيبعد، وعرفت إنها النهاردة مش بس خسرت "البرستيج" اللي بتدور عليه، دي خبطت في أغلى حاجة عند مراد.. كبريائه في حبها.
______
رزان رجعت للصالة عند الضيوف، وجو الخطوبة كان كله حيوية وضحك. أول ما دخلت، عيونها راحت على طول على مراد. كان رجع لمقعده، قاعد جنب عامر ومروان وبيتكلم مع أبو مروان كأنه مندمج معاهم تماما ورايق وكأن مفيش إعصار حصل في المطبخ من دقايق.
على الناحية التانية، كانت مامت مروان واخدة رنيم تحت جناحها، بتضحك معاها وتهزر، ورنيم وشها بقى زي الطماطم من كتر الكسوف، وكل ما عينيها تيجي في عين مروان، تخبي ضحكتها وتبص في الأرض.. جو كان كله حب وسكينة، بس رزان كانت حاسة إنها في وادي تاني خالص.
لسة واقفة، مش عارفة تاخد خطوة تقعد جنب جوزها الأول ولا لأ. قبل ما تاخد القرار، دخلت أسيا ووراها خالة مراد ومنه، ورزان ماقدرتش تبص في عينيهم. كان خوفها من إن أسيا تكون زعلت منها بسبب كلام مراد مسيطر عليها.
بس بعد شوية، سمعت همس خفيف. أول ما أسيا واختها راحوا لمكانهم يتكلموا مع أم مروان، كانت منه اللي طمنت رزان وقالتلها
"ما تشغليش بالك باللي مامتي قالت، كله تمام."
رزان تنهدت بعمق، حسّت بشوية راحة، وراحت تقعد مكانها جنب مراد. بلا قصد، سابت شوية مسافة بينهم
و مراد بقى.. مراد كان في قمة "التجاهل". مابصش ناحيتها ولا حتى بجنب عينه، فضل مكمل كلامه مع أبو مروان بتركيز غريب.
أسيا كانت مطمّنة الكل إن العشا هيجهز، وام مروان بتتكلم عن الغلبة
وأسيا قالت كلام حلو
"احنا بقينا عيلة واحدة والبيت بيتكم"
رزان كانت قاعدة ساكتة تماماً، والسكوت ده كان بيخنقها. لأول مرة من ساعة ما دخلت البيت ده، تحس إنها "غريبة"، حاسة إن الضحكات والتهاني دي كلها في ناحية، وهي في ناحية تانية خالص.. مكان مش بتاعها.
والسبب الحقيقي وراء الإحساس ده مكنش كلام خالته ولا ضعف حماتها.. السبب كان "برود مراد". رزان اتعودت إن مراد في أي تجمع، حتى لو مشغول بالكلام، إيده دايماً بتدور على إيدها، يلمس كتفها، يغمز لها، يحاول يشاركها في الحوار بأي كلمة.. مراد كان "الأمان والصديق والراحة"
لكن دلوقتي؟ مراد كان بعيد عنها جبال ومسافات وهو قاعد جنبها. كان بيتكلم ويضحك مع مروان وسامر، وهي بالنسبة له كانت "هوا". الإحساس ده خلى رزان تدرك إنها لما جرحت كبريائه وهاجمته عشان دافع عنها، هي اللي باعت الأمان ده بإيدها.
_____
زهور أعلنت إن السفرة جاهزة، والكل بدأ يتحرك بحماس وضحك ناحية صالة الطعام. مروان، وهو ماشي وراهم، انتهز فرصة إن الكل باصص قدامه ومسك إيد رنيم بسرعة، رنيم اتخضت وشهقت شهقة مكتومة وسحبت إيدها وهي وشها بيغلي من الكسوف، وبصت قدامها بخوف ليكون حد شافهم، بس مروان كمل طريقه بضحكة شقاوة وهو بيحط إيده في جيبه وكأنه معملش حاجة، وسبقها عند مراد وسامر.
رزان كانت ماشية وراهم بخطوات تقيلة، حاسة إن المسافة بينها وبينهم مش مجرد أمتار، دي سنين ضوئية. كان كل اللي بتتمناه في اللحظة دي إن الأرض تنشق وتبلعها، أو إنها تطلع أوضتها وتترمي على السرير وتقفل على نفسها لبكره.
السفرة كانت لوحة فنية، آسيا مهتمة بكل تفصيلة؛ مفرش دانتيل أوف وايت فخم، أطباق بورسلين مطعمة بالدهبي، وكاسات الكريستال بتلمع تحت نور النجفة الكبيرة. الأكل كان أشكال وألوان؛ من أول الديك الرومي اللي متزوق بالمكسرات، لطبق الرز بالخلطة اللي ريحته قالبه الدنيا، وطبعاً أصناف المحاشي والرقاق باللحمة المفرومة اللي زهور كانت بتبدع فيهم.
أول ما قعدوا، أم مروان بصت لآسيا وقالت بإعجاب
"ما شاء الله يا آسيا، إيه الجمال ده؟ تسلم إيدك وإيد اللي طبخ، السفرة تفتح النفس من قبل ما نمد إيدنا."
أبو مروان كمل
" والله مراتي معاها حق دايماً بيتك عامر بالكرم ."
آسيا ابتسمت وشكرتهم وبدأوا يقعدوا، ورزان طبعاً قعدت في مكانها المعتاد جنب مراد. زهور بدأت تلف وتغرف للكل، وصوت المعالق والهمسات والضحك مالي المكان. مروان داق أول لقمة وغمض عينه بتمثيل وقال
"يا وعدي! الأكل ده ملوش حل.. تسلم إيدك يا حماتي، أنا من دلوقتي بقولك أنا هاجي أتغدى هنا كل يوم."
آسيا ضحكت بفرحة وقالت
"يا حبيبي تنور، البيت بيتك، إنت وسامر زي مروان ابني بالظبط ومكانكم في القلب."
مراد علق وهو بياكل
" ماتستغلش الفرص اوي يامروان"
مروان ضحك وسامر علق
" ده هو أكثر واحد يعرف يستغل الفرص"
وكمل وهو يهز راسه بامتنان
"ربنا يخليكي يا طنط، الأكل بجد ملوش وصف."
اما رزان كانت بتاكل "تأدية واجب"، اللقمة كانت بتقف في زورها كأنها شوك، عكس مراد اللي كان بياكل بتمتع واضح وكأن أعصابه في تلاجة.
وفجأة، خالة مراد، اللي عينها كانت زي الصقر بتراقب أي حركة، بصت لمراد وقالت بنبرة فيها أمر ومكر
"مراد يا حبيبي، ناول منة طبق العيش اللي قدامك ده، أصلها بتحبه أوي من إيد مامتك آسيا."
المشكلة إن طبق العيش كان فعلاً قدام رزان، ورزان في نفس الثانية كانت لسة هتمد إيدها عشان تاخد منه لقمة تسند بيها نفسها. مراد، ببرود غريب، مد إيده وأخد الطبق من قدام إيد رزان "قبل" ما تلمسه، وناوله لمنة.
منة بصت لمامتها بضيق وإحراج، وحست إن الحركة دي مصنوعة من مامتها بس عشان تعمل مشاكل .
بس سكتت وأخدت العيش وشكرته .
رزان في اللحظة دي حست بكسرة نفس لا توصف.. شافت نظرة خالة مراد اللي كانت مليانة سخرية وشماتة، كأنها بتقول لها
"شوفي.. مراد يروح ويبقى يفضل ابن اختي وابن خالة بنتي "
رزان نزلت راسها في طبقها، وتنهدت تنهيدة صامتة كانت هتحرق صدرها، وحست إنها فعلاً غريبة ومالهاش لازمة على السفرة دي.
وقبل ما رزان تغرق في حزنها اكثر لقت "ظل" بيتحرك قدامها.. رفعت عينها ببطء، لقت طبق العيش رجع مكانه بالظبط قدامها.
مراد، بعد ما خلى منة تاخد اللي عايزاه، رجع الطبق مكانه الأصلي "قدام رزان" بكل هدوء.
رزان بصت له بلهفة، كانت مستنية منه نظرة، لمسة، أي إشارة.. بس مراد مابصلهاش خالص. كان مكمل كلامه مع أبو مروان عن "السوق والعقارات" وكأن إيده اللي رجعت الطبق دي بتتحرك لوحدها، أو كأنه بيعمل كده "أصول" مش أكتر.
______
الكيكة اتقطعت والضحك ملى المكان، والكل كان بياكل ومستمتع، إلا رزان.. طاقتها في التمثيل والتحمل خلصت خلاص. حست إن الحيطان بتضيق عليها، وإن قعدتها وسطهم بقت حمل تقيل على نفسها. قررت تنسحب بذكاء، قامت من مكانها وراحت المطبخ.
زهور أول ما شافتها داخلة وبتبدأ تلم الأطباق، اتخضت وقالت
"يا ست رزان، روحي إنتي ارتاحي مع الضيوف، أنا هخلص كل حاجة، ده شغلي يا ست هانم."
رزان ردت عليها بابتسامة باهتة وعيون كلها إرهاق
"معلش يا زهور، سيبيني أساعدك.. أنا محتاجة أشغل نفسي بأي حاجة، أرجوكي."
زهور شافت في عينيها نظرة الرجاء، فسكتت وأومأت براسها وسابتها تبدأ معاها.
رزان كانت واقفة قدام الحوض، المية نازلة على إيديها وهي بتغسل الأطباق بآلية، وعقلها في حتة تانية خالص.
كانت بتفكر في كلام حماتها، في نظرات الخالة، والأصعب من ده كله.. "جبل التلج" اللي قاعد بره واسمه مراد. كانت شاردة لدرجة إنها محسيتش باللي وراها غير لما سمعت الصوت اللي بيقطر سم
"والله طلعت كنة اسيا تعرف تشتغل شغل البيت.. كويس جدا!"
رزان اتخضت، وفي لحظة الشرود دي، السكينة اللي كانت في إيدها جرحت صباعها السبابة جرح غائر. سحبت إيدها بسرعة من الصابون، والدم بدأ ينزف بوضوح. زهور شهقت وجريت تجيب منديل . لكن خالة مراد كانت واقفة ببرود مرعب، ولا كأن فيه دم قدامها.
الخالة قربت من رزان وبصت لها باحتقار وقالت بصوت واطي ومسموع لرزان بس
"مفتكرة إنك بكام كلمة قولتيها، ولا بمراد اللي عمل فيها بطل النهاردة، إنك خلاص بقيتي صاحبة البيت؟ لا يا حبيبتي.. منه بنتي لما قالت اللي قالته، ده كان مجرد كلام عشان ماتبينش انه كرامتها اتجرحت، لكن الحقيقة إن منه هي اللي تليق بالبيت ده وبالعيلة دي."
رزان كانت ماسكة صباعها اللي بينزف، وبتحاول تتماسك قدام الست دي. ز الخالة كملت بسخرية لاذعة
"ولو إنتي فاكرة إنك قفلتي الباب على مراد، تبقي عبيطة.. الشرع حلل أربعة، وأنا لو حطيت في دماغي أجوز منه لمراد، هعملها، وهيدخل عليكي بيها هنا في قلب الفيلا.. إنتي مجرد وقت وهيعدي، والواقع هو اللي هيفرض نفسه في الآخر."
رزان حست بنغزة في قلبها أصعب من جرح السكينة، بس المرة دي مقدرتش تسكت. بصت للخالة بعيون مليانة تحدي رغم الوجع، وقالت بهدوء وثبات
"يا طنط، الشرع فعلاً حلل أربعة، بس مراد مش من النوع اللي 'بيتحط له في دماغه'، مراد راجل هو اللي بيقرر، وهو قرر إن أنا أكون مراته والحياة كلها بالنسبة له.. ومنه إنسانة محترمة وتستاهل حد يحبها لشخصها، مش حد يفرضها كـ 'ضرة' عشان يرضي غرور حد تاني."
الخالة وشها احمر من الغيظ، ورزان كملت وهي بتبص لزهور
"معلش يا طنط زهور، كملي إنتي.. أنا طالعة أوضتي أطهر الجرح ده "
و لفت وسابت المطبخ وطلعت بسرعة على الدرج، كانت بتمشي بسرعة عشان دموعها متخونهاش وتنزل قدامهم
وهي طالعة، مراد اللي كان قاعد بيضحك مع مروان، لمحها بطرف عينه.. شاف إيدها اللي ملفوفة بمنديل وسرعتها في الجري .
ملامحه جمدت أكتر، وفضل متابعها بعينه لحد ما اختفت في الدور التاني، وماحدش لاحظ إنه مراد سكت فجأة وكأن "الراديو" بتاعه فصل شحن بمجرد ما شافها في الحالة دي.
_____
ودخلت الحمام وهي بتترعش. بدأت تدور بلهفة في شنطة الإسعافات الأولية على مطهر وشاش. الجرح مكنش عميق للدرجة، وجرح السكينة ده اتكرر معاها كتير وهي بتطبخ، بس المرة دي الوجع مكنش في صباعها، الوجع كان في روحها. كل ما تحاول تقص حتة لزق طبية، دموعها تنزل وتغشي عينيها، لحد ما طاقتها خارت، قعدت قعدة القرفصاء في أرضية الحمام، ضامة نفسها وساندة راسها على الحيطة، وماسكة صباعها اللي بينزف كأنها طفلة تايهة.
فجأة، سمعت صوت خبطة خفيفة وخطوات واثقة دخلت الأوضة، شهقت بفزع ورفعت راسها.. كان هو. مراد واقف بكل هيبته، شال جاكيت البدلة رماه على الكرسي بلامبالاة، وكأنه داخل الأوضة بس عشان يقلع هدومه التقيلة مش عشانها هي.
بص لها بنظرة غامضة وسألها بصوت خالي من التعبير "مالك؟ بتعملي إيه هنا؟"
رزان مكنتش قادرة تنطق، كانت بتبصله بس بعيون غرقانة دموع، وصدرها بيطلع وينزل من كتمة النفس. مراد نزل بعينه لصباعها اللي غرقان دم، وسألها ببرود مستفز فيه فضول خفي
"إيه اللي في إيدك ده؟"
قامت وقفت بصعوبة، وهي بتمسح وشها اللي بقى عبارة عن خريطة من الوجع والدموع، وردت بصوت مهزوز
"جرح بسيط.. سكينة المطبخ."
مراد فضل واقف مكانه، أول ما اتطمن إن الجرح مش خطر، ملامحه مرجعتش لينة، بالعكس، فضل محافظ على بروده اللي كان بيقطع في قلبها أكتر من السكينة. البرود ده كان بيوجعها، كان بيحسسها إن المسافة بينهم بقت أميال.
لسه هتفتح بوقها تتكلم وتعتذر، قاطعها بجمود وهو بيعدل قميصه
"تمام.. أنا نازل للضيوف، كنت طالع بس أخفف لبسي عشان الجو حر تحت."
ولف ضهره بكل قسوة وخرج. رزان بصت لضهره بذهول وانكسار، وفي اللحظة اللي الباب اتقفل وراه، انهار كل الصمود اللي كانت بتمثله. غطت وشها بإيديها وانفجرت في عياط مكتوم وهستيري أقوى من اللي قبله، جسمها كله كان بيتنفض وهي واقفة في نص الأوضة، وصوت شهقاتها بدأ يعلى غصب عنها.
مكنتش تعرف إن مراد مخرجش أصلاً، كان واقف ورا الباب، مكنش قادر يبعد ورجله مش طايعة تمشي وهو سامع صوت انكسارها ده. فجأة، الباب اتفتح بقوة، ورجع لها في ثواني
رزان ملحقتش تستوعب غير وهو بيشيل إيديها عن وشها برفق شديد، مسك وشها الملطخ بالدموع بين كفين إيده الكبار، وباسها بوسة طويلة ودافية.
الصدمة خلت رزان تسكت تماماً، جسمها هدي فجأة تحت لمسته، وبدأت تستسلم لحنيته اللي ظهرت فجأة وسط كل التلج ده. بعد عنها شوية وبص في عينيها بعمق، رزان همست بصوت ضايع
"مراد.. أنا أسفة.. أنا غبية، والله مكنش قصدي أهين اللي عملته، أنا بس كنت خايفة.."
قربت منه أكتر، ومسكت في قميصه بضعف
"أرجوك خليك جنبي، متسيبش إيدي تاني.. أنا حسيت إني غريبة في البيت ده من غيرك، أنا مليش غيرك بجد."
مراد كان بيبص لها بنظرات طويلة، ساكت تماماً، وهي بدأت تتوتر وتفتكر إنه لسه غضبان منها، وإن قربُه ده مجرد شفقة. العصبية ركبتها وقالت بصوت مخنوق
"يعني إنت دلوقتي لما تعوز تقرب تقرب، ولما تعوز تبعد تقلب تلج وتكسر بيا؟ إنت عايز مني إيه بالظبط؟"
كان هتبعد لكن مراد فجأة لزق جبهته بجبهتها، وغمض عينه وهو بيتنفس ببطء وقال بصوت هادي وواثق
"بقولك إيه.. بطلي هبل. إنتي اللي طلبتي مني أسكت، ولومتيني إني اتدخلت وتكلمت ، جاية دلوقتي تلوميني إني سمعت كلامك وبطلت أتكلم ؟"
رزان غمضت عينيها غصب عنها، وهي بتتشرب أنفاسه اللي وحشتها، وقالت بهمس
"عشان اكتشفت إن إيدك لما بتسيب إيدي، الدنيا كلها بتبقى باردة وفارغة.. أنا كنت غلطانة لما فكرت في أي حد غيرك."
مراد شدد من ضمة إيده على وشها وقال بنبرة مليانة صدق
"يا رزان.. أنا أصلاً ماقدرش أسيب إيدك حتى وأنا زعلان منك. إنتي لازم تفهمي إنك ملكة في البيت ده بمكانتك عندي أنا، مش محتاجة ترضي أمي، ولا خالتي ، ولا حتى ترضيني بتمثيل.. أنا عايزك زي ما أنتي، بضعفك وبقوتك، ومكانتك هنا محدش يقدر يلمسها سواء في حضوري او غيابي"
رزان كانت بتبص لمراد وهي بتومئ براسها بضعف، كأنها بتشرب كل كلمة ثقة قالها لها. مراد ابتسامته وسعت لأول مرة من الصبح، تنهد تنهيدة طويلة كأنه كان شايل جبل وفكّه، وقرب منها وبدأ يبوس خدودها برقة، بيمسح بشفايفه آثار الدموع اللي كانت مالية وشها. رزان غمضت عينيها واستسلمت لللحظة، والابتسامة بدأت تترسم على شفايفها من تاني، حست إن الروح ردت فيها بمجرد ما "الحيطة" اللي كانت بينهم اتهدت.
مراد بعد عنها شوية، ومسك كتافها وقال لها بصوت هادي فيه نبرة أمر حنينة
"يلا يا حبيبي ، قومي غسلي وشك ده عشان ننزل للناس "
رزان ضحكت ضحكة خفيفة وأومأت براسها، وقامت بسرعة دخلت الحمام. فتحت المية وبدأت تغسل وشها، وهي حاسة إن عيون مراد مابتفارقهاش. لفت وشها لقت مراد واقف، مسند ضهره على إطار باب الحمام، ومربع إيده، وبيتأملها بنظرة غريبة، نظرة فيها حب ممزوج بحيرة.
بصت له بدهشة وهي بتنشف وشها بالفوطة وقالت له بمزاح "في إيه يا مراد؟ بتبص لي كدة ليه؟ شكلي وحش من العياط؟"
مراد هز راسه ببطء وقال بصوت واطي وخيم
"بفكر بس.. أنا إزاي مابقدرش أزعل منك أبداً؟ يعني بكون جاي وشايط وعايز أطربق الدنيا، وأول ما أشوف عينيكي دي، كل حاجة بتدوب.. بجد مش فاهم السبب، إنتي عاملة لي إيه؟"
رزان سابت الفوطة وقربت منه بخطوات واثقة، وقفت قدامه وهي بترفع راسها عشان فرق الطول الواضح بينهم، وبصت له بعيون بتلمع بشقاوة. رفعت إيدها وبدأت تعد له على صوابعها بدلع
"أنا أقولك الأسباب يا روحي .. أولاً، عشان أنا رزان حبيبتك الحلوة القمر. ثانياً، عشان أنا غلبانة وبصعب عليك بسرعة. ثالثاً، عشان إنت قلبك أبيض ومابتشيلش مني. ورابعاً بقى.. وده الأهم، عشان إنت مابتطقش تشوفني زعلانة "
مراد ضحك من قلبه، ومسك إيدها اللي بتعد بيها، وبدأ يبوس صوابعها صباع صباع بهدوء، ورزان ضحكتها رنت في الأوضة. فجأة، ملامحها اتغيرت وبصت له بأسى مصطنع وقالت
"مراد.. أنا جعت أوي، ونفسي أدوق الكيكة
أنا من كتر الزعل مالحقتش أكل منها حتة.. تفتكر فضل لي حصة تحت ولا خلصوها؟"
مراد انفجر في الضحك وهو بيشدها من إيدها يخرجها من الأوضة
"يا قلبي ماتخافيش، لو خلصوها هجيب لك تورتة كاملة لحد عندك مخصوص، بس يلا ننزل عشان منظرنا والكل تحت مستنينا "
هي اومات و نزلوا الدرج سوا، ومراد كان متبت في إيدها بقوة، كأنه بيعلن للعالم كله إن دي مملكته. رزان كانت ماشية وراه، بتضحك بصوت واطي على تعليقاته، وحاسة إنها طايرة فوق الأرض ...
و مرتاحة بجد ...
عشان ...
عشان مراد جنبها