الفصل الرابع والثلاثين
مراد كان قاعد في المكتب، ملامحه غارقة في الجدية ووشه متثبت في اللابتوب والملفات اللي قدامه، وفجأة سمع قرع خفيف ومهذب على باب المكتب. قبل ما يرفع عينه، كان عارف مين اللي بيخبط.
فتحت الباب، وطلت رزان بابتسامتها الصافية اللي بتمحي أي توتر في المكان. سألته بصوت ناعم
"متاح يا حبيبي ؟"
بمجرد ما عينه وقعت عليها، ملامحه القاسية دابت، ووشه اتغير تماماً لابتسامة حنونة
"لرزان؟ دايماً متاح."
دخلت وقفلت الباب وراها، وبخفة الحركة اللي بقت عادتها، راحت عنده وقعدت على رجله، وهي بتلف إيديها حوالين رقبته. مراد ثبتها بإيده على وسطها، وابتسم بخبث وهو بيفكر
'ما دامت جت القعدة دي، يبقى وراها طلب كبير'.. قرر يلعب معاها ويشوف هي عايزة إيه.
رزان بدأت الكلام وهي بتهز رجلها بحماس
"بص بقى.. أنا خلصت كل الشغل اللي كان ورايا، يعني حرفياً خلصت كل حاجة! فكنت بفكر.. يعني لو طلعت بدري شوية دلوقتي، هتمانع؟"
مراد ضيق عينيه بتمثيل الجدية
"بدري؟ ده لسه الظهر يا رزان، واليوم لسه في أوله.. شغل إيه اللي خلصتيه بالسرعة دي؟"
رزان ضحكت وهي بتلعب في شعره
"لا والله خلصت! وبعدين يا سيدي اعتبرني أخدت إجازة نص يوم.. بلاش رخامة بقى!"
ضحك مراد وقال
"ماشي يا قلبي، هعديها لك.. بس قوليلي، ناوية على فين؟"
ردت بسعادة طفولية
"رايحة مع طنط آسيا ورنيم، هننزل نجهز شوية حاجات ونشتري شوية طلبات."
مراد عقد حواجبه باستغراب
"حاجات إيه؟ وطلبات إيه ؟"
رزان اتصدمت وفتحت عينيها على الآخر
"يا مراد! إنت بجد نسيت؟ ده مروان جاي بعد بكره هو وأهله عشان يطلبوا إيد رنيم رسمياً! لازم نجهز البيت والطلبات، رنيم متوترة جداً."
مراد عينيه وسعت شوية وكأنه تذكر ورزان كررت سؤالها
" اروح ؟"
هو اوما وبعدها سالها
" معاكي فلوس؟ مكفياكي؟"
رزان ابتسمت وقالت بمزاح وهي بتطلع "الكريدت كارت" من شنطتها
"اطمن يا بطل، البطاقة الذهبية بتاع الأحلام معايا، ومش هصرف كتير زي المرة اللي فاتت، يعني هتقصد وأنا بشتري، مش هجيب المحل."
مراد ضحك وقرب باس خدها، وهي اتعلقت برقبته أكتر وسألته بدلع
"عايز حاجة أجيبها لك وأنا راجعة؟"
مراد ابتسم ابتسامة خبيثة، غمزة عين خلت رزان تفهم قصده فوراً، حاولت تقوم بسرعة بس هو شدها من وسطها بقوة وهي بتضحك بصوت عالي
"مراد! بس بقى!"
"أيوة.. عايز " قالها وهو بيبص لها بنظرة كلها مشاكسة
رزان وهي بتحاول تفلت منه بضحك
"لا يا مراد بجد، أنا لازم أمشي، رنيم جاية الشركة دلوقتي عشان نتحرك سوا، و مش عايزة أتاخر على حماتي."
مراد رفع حاجبه باستنكار لذيذ
"حماتك؟"
ضحكت رزان وهي بتقوم أخيراً من على رجله
"أيوة، حماتي.. مش عايزة أزعلها مني وأبقى عروسة مش مطيعة."
______
خرجت رزان من مكتب مراد وهي بتدندن، ملامح السعادة والراحة باينة في كل حركة فيها، لدرجة إنها كانت بتسبق خطواتها. وفي الممر، التقت في بشرى اللي كانت شايلة ملفات، وقفتها بابتسامتها الطيبة وقالت لها
" إيه السر؟ وشك منور والضحكة واصلة لودنك، حصل إيه؟"
رزان ضحكت وهي بتبص وراها ناحية مكتب مراد
"يا بشرى كنت فاكرة هيعملي فيها مدير بقى ويحبسني، بس طلع قلبه أبيض خالص وسابني اخد نص اليوم اجازة"
بشرى ضحكت بصوت واطي وقالت بخبث
"آه يا حظك يا ست البنات! طبعاً، ما هو لما تبقى مرات المدير، أكيد لازم يكون فيه 'فوائد' و'امتيازات' خاصة.. ده إحنا لو اتأخرنا دقيقة بيتحسب علينا بالثانية!"
ضحكت رزان وهي بتغمز لها
"يا بنتي قولي إيه اللي ليكِ وإيه اللي عليكِ، الموضوع كله ذكاء في التعامل!"
ودعت بشرى اللي ضحكت ودخلت مكتبها في لمح البصر، لمت شنطتها وحاجاتها، ونزلت تهرول ناحية العربية اللي كانت مستنياها قدام باب الشركة. هناك كانت رنيم واقفة بتبص في ساعتها بقلق، وأول ما شافت رزان، ملامحها اتغيرت للراحة. ركبوا العربية، وكانت آسيا قاعدة ورا، بطلتها الأنيقة المعتادة، وبمجرد ما رزان ركبت، رحبت بيها بابتسامة دافية ظ
اتحركت العربية، وبدأت رحلة "التسوق الكبير".
في المول، بدأت الحكاية. آسيا كانت شايفة الدنيا بطريقة "الكلاسيك" والألوان الهادية والفساتين اللي فيها وقار، ورزان –رغم إن ذوقها في حتة تانية خالص، بتميل للحاجات المودرن والعملية– كانت بتحاول تساير حماتها بكل حب.
آسيا وهي بتمسك فستان طويل لونه موف غامق
"يا رزان، شوفي ده.. ذوقه ملكي، هينور رنيم في الخطوبة."
رزان بتبتسم وبتهز رأسها بصدق
"تحفة يا طنط! فعلاً ذوقك راقي جداً، رنيم هتطلع فيه عروسة بجد."
رنيم، اللي كانت في حالة "تشتت كامل"، بتمسك فستان وتغيره، وتدخل البروفة وتطلع
"لا يا ماما، ده ضيق زيادة.. لا يا رزان، ده لونه باهت.. أنا مش عارفة أختار إيه!"
رزان كانت بتحاول توازن الأمور، بتشوف فستان تحبه رنيم، تلاقي آسيا عندها تحفظ عليه، فترجع رزان تقنع آسيا بكلمة حلوة
"يا طنط آسيا، رنيم سنها صغير، يمكن لو خدنا الفستان ده بس ضفنا عليه 'إكسسوار' بسيط يخليه مناسب لذوقك وفي نفس الوقت عصري ليها؟"
آسيا بتبص لرزان برضا
"دايماً بتعرفي تمسكي العصاية من النص يا رزان."
وبكده بقى فستان الخطوبةو "المعركة الكبرى". قعدوا أكتر من ساعتين قدام مرايات البروفة. رنيم تختار فستان منفوش، آسيا تقول لأ ده "أوفر"، رزان تقترح فستان "سيمبل"، رنيم تقول لا أنا عايزة أحس إني عروسة!
رزان كانت بتتحرك في كل حتة، بتجيب جزم، بتبص على طرح، بتشرب مية لرنيم عشان تهدى، وكل ده بابتسامة مرسومة على وشها عشان آسيا متزعلش. رزان كانت بتمارس "دبلوماسية الكنّة" ببراعة، مش عشان هي مضطرة، بس لأنها فعلاً حابة آسيا وعايزة يوم رنيم يطلع زي ما بتحلم.
أخيراً، بعد تالت فستان، رنيم لبست واحد بلون سماوي هادي، بتطريز رقيق جداً، لفت قدامهم.. آسيا دمعت عينيها، ورزان صفقت بحماس
"هو ده! ده اللي رنيم هتخطف بيه الأنظار!"
آسيا بصت لرزان وقالت بامتنان
"لولا صبرك يا رزان، كنا لسه في أول المحل.. تسلم إيدك على ذوقك يا بنتي."
رزان حست براحة كبيرة، مش بس عشان اشتروا، بس عشان قدرت تكسب قلب حماتها وتخلي اليوم يمشي من غير ولا "غصة" أو زعل.
______
دخلوا محل "أطقم الضيافة والكريستال"، المحل كان عبارة عن قصر صغير مليان فاترينات بتلمع، فيها كؤوس كريستال، وصواني تقديم نحاس وفضة مشغولة، وأطقم شاي وقهوة بتخطف العين.
كانوا بيتفرجوا على طقم تقديم فخم للصواني والكؤوس، وفجأة سمعوا صوت ناعم ومألوف
"مدام آسيا؟ يا خبر! معقولة تكوني إنتي؟"
آسيا لفت بسرعة، وبانت على وشها ملامح الترحيب المهذب، كانت واحدة من معارفها القدام، "مدام عفاف"، ست من النوع اللي بيحب يجمع أخبار الناس ويحللها.
عفاف بتبص عليهم بفضول، عيونها اتنقلت بين رزان ورنيم، وقالت وهي بتلمح الفساتين والطلبات اللي في إيديهم
"ما شاء الله، إيه الذوق ده كله؟ واضح إن عندكم مناسبة كبيرة.. يا ترى رنيم أخدت خطوة ولا إيه؟ "
رنيم، اللي كانت لسه هتتكلم ، عيونها وسعت بدهشة عشان آسيا قرصتها في دراعها قرصة خفيفة بس حازمة خلتها تسكت فوراً. آسيا كانت مؤمنة جداً بـ "العين" والحسد، ومكانتش عايزة كلمة "خطوبة" تطلع لبره غير لما كل حاجة تتم في البيت.
آسيا ابتسمت بهدوء وقالت
"يا ست الكل، دي مجرد تجديدات للبيت، إنتي عارفة رزان مرات ابني ذوقها عالي وبتحب تجدد في الصواني والكؤوس، قولت نشتري طقم جديد وكدا حاجات عشانها"
عفاف رفعت حاجبها بشك، بس آسيا كملت بسرعة عشان تغير الموضوع، وبصت لرزان بفخر شديد
"وبعدين، رزان بنتي هي اللي بتختار كل حاجة، ما شاء الله عليها ذوقها ملوش زي.. بجد ربنا يباركلي فيها، دي اللي شايلة عني البيت كله، وأي حاجة بتلمسها بتطلع تحفة، مش بس كنتي، دي بنتي اللي ما خلفتهاش."
رزان اتكسفت، ووشها احمر بابتسامة خجولة، وقالت بصوت واطي
"ده بس من طيبة أصلك يا طنط."
آسيا مسكت إيد رزان قدام مدام عفاف وشددت عليها
"لا والله يا بنتي، أنا اللي محظوظة بيكي، مراد ابني عارف يختار كويس، ومن ساعة ما دخلت بيتنا وهي اللي ماليّاه فرحة."
عفاف بدأت تلاحظ إن الكلام عن رزان هو "الدرع" اللي آسيا بتستخدمه عشان تهرب من أي أسئلة تانية، فابتسمت مجاملة وقالت
"فعلاً رزان باين عليها ست الكل، الله يهنيكم يا رب."
بعد ما مشيت ، رنيم بصت لمامتها بغيظ
"يا ماما! ليه قرصتيني؟ كنت هقولها وخلاص، الناس هتعرف هتعرف!"
آسيا هزت رأسها بحكمة وتوضيح
"يا بنتي العين حق، والبيوت أسرار، لما مروان وأهله ييجوا ويقروا الفاتحة ويتم كل شيء، وقتها أعلن للكل.. لحد اللحظة دي، مفيش حاجة مؤكدة عشان نتكلم فيها."
واكدت عليها
" فاهمة؟!'
_______
الليل كان هادي، والهدوء بيعمّ أوضة النوم. مراد كان راجع من يوم طويل وشاق، أكل أكله ولبس بيجامته المريحة، وفرد جسمه على السرير وهو مسند ضهره على المخدات العالية، بيبص في التلفزيون وهو مستني رزان تخلص وتيجي.
فجأة طلعت رزان من الدريسنج روم وهي طايرة من الفرحة، وفي إيدها الفستان الجديد اللي اشترته الصبح.
كانت بتلمع من الحماس، والابتسامة مش مفارقة وشها.
رزان وهي بتهز الفستان قدام عينه بحماس
"مراد! مراد، قوم شوف.. لازم تشوف اللي جبته النهاردة! بجد كنت محتارة جداً، الألوان كانت كتير ومجنناني أنا كنت عايزة لون ثاني ، بس في الآخر استقريت على ده.. قولت ده أكتر لون هعرف أنسق معاه إكسسوارات وجزمة وشغل كتير، إيه رأيك؟ مش اللون ده لايق على بشرتي؟"
مراد ساب الريموت من إيده، واتعدل في قعدته وهو بيبصلها بابتسامة هادية. هو طبعاً مبيفهمش في "التنسيق" ولا في ألوان الفساتين دي، بس كان بيحب يتفرج عليها وهي بتتحرك بحماس، كأنها طفلة صغيرة بتوريه لعبتها الجديدة. كان بيتأمل ملامحها، عينيها اللي بتبرق وهي بتتكلم، وصوتها المليان طاقة.
رزان كملت كلامها وهي بتلف بالفستان قدام المراية وتوريه لمراد من كل زاوية
"أنا حاسه إني عملت اختيار عبقري، وكمان طنط آسيا عجبها ذوقي جداً.. على فكرة، النهاردة حصل موقف خلاني أطير من الفرحة."
مراد رفع حاجبه بفضول مصطنع
"موقف إيه يا حبيبي؟ "
رزان قعدت جنبه على السرير، وملامحها اتغيرت من الحماس للصدق والرقة
"قابلنا واحدة صاحبة طنط آسيا في المحل، وأول ما سألتها عني، طنط مش بس عرفتني عليها.. دي قعدت تتفاخر بيا قدامها! قالت لها إني 'بنتها اللي ما خلفتهاش' وإني 'شايلة البيت'.. مش عارفة ليه، بس الكلمة دي فرقت معايا أوي يا مراد، حسيت إني فعلاً بقيت جزء من العيلة دي."
مراد ضحك ضحكة خفيفة مستغربة وقال
"يا حبيبي ده انتي جزء من العيلة دي أصلا "
رزان نفت براسها بصوت ناعم
" لا يا مراد مش كده، كلمة منها بالدنيا.. يمكن عشان أنا دخلت البيت ده بدون رضاها ومعرفتها"
مراد سكت لحظة، ملامح وشه بقت ألين بكتير، ابتسامته الهادية ظهرت، ومد إيده يمسح على شعرها برقة ونعومة، نظراته كانت مليانة حنان وحب، وكأنه بيحاول يطمنها بكل لمسة.
بص في عينيها وقال بصوت واطي
"يعني الموضوع فرحك أوي كده؟ مبسوطة إنها اعترفت بيكي كدة قدام الناس؟"
رزان هزت رأسها بـ "أيوه" ببطء، وعنيها كانت بتلمع ب فرحة خفيفة، وقربت منه أكتر وهي حاسة بالأمان اللي دايماً بتدور عليه في حضنه. مراد شدها لحضنه، وفضل يمسح على شعرها، والجو في الأوضة اتحول لكتلة من الدفء والسكينة، بعيداً عن ضغوط الشغل ومشاكل الموقع وبلال وكل اللي بيحصل بره.
_______
يوم الخطوبة كان يوم استثنائي في فيلا مراد، البيت كله كان كأنه خلية نحل. ريحة الورد الطبيعي كانت ماليّة المكان، وآسيا كانت في قمة نشاطها، بتتحرك هنا وهناك كأنها قائد أوركسترا، بتعدل فازة ورد، وبتبص على ترتيب الكراسي، وبتقول لزهور بتوتر محبب
"لا، لا.. الصينية دي تيجي يمين شوية، لازم كل حاجة تطلع بيرفكت، ده يوم رنيم، يوم فرحة العمر!"
جوه أوضتها، رنيم كانت قاعدة بلمساتها الأخيرة. الفستان السماوي اللي اختاروه كان طالع عليها زي الفستان الأسطوري، والمكياج كان هادي ورقيق بيبرز جمالها الطبيعي. كانت ماسكة موبايلها في إيدها، عينيها مابتفارقش الشاشة، مستنية أي رسالة أو رنة من مروان تقول إنهم وصلوا.. دقات قلبها كانت مسموعة من التوتر والحماس.
في أوضة رزان ومراد، كانت الأجواء مختلفة شوية. رزان كانت بتلف قدام المراية وبتركب حلقها، والتوتر كان ظاهر في حركاتها السريعة وهي بتسأل مراد
"مراد، إنت جهزت ياحبيبي ؟ مروان زمانهم وصلوا، الوقت بيسرقنا!"
مراد كان واقف قدام مراية كبيرة بيعدل ربطة عنقه، وبص لها ببرود واثق
"خلاص يا رزان، جهزت.. مفيش داعي للقلق ده كله."
رزان قربت منه، وبحركات إيدها الناعمة اللي اتعودت عليها، مسكت ربطة عنقه وبدأت تعدلها بنفسها، وهي بتبص على لونها وبتقارنها بلون فستانها
"لا، اللون ده مش لايق أوي، استنى.. خليني أغيرها لك بواحدة تانية."
مراد مسك إيدها بسرعة، وبص لها باعتراض متعب
"انسِي! دي المرة التالتة اللي أغيرها عشان خاطر ذوقك، كفاية إنك خلتيني أتاخر في اللبس نص ساعة عشان بس نختار البدلة اللي لايقة على فستانك.. أنا كدة زي الفل."
رزان عقدت حواجبها باصرار
"يا مراد، بس دي..."
قبل ما تكمل، مراد رفع صباعه وفك عقدة حواجبها بحنية وقال بصوت واطي
"خلاص ياقلبي، كفاية.. أنا جاهز، وإنتي طالعة زي القمر، مفيش داعي نغير تاني."
رزان بصتله بنظرة " تملقني تملقني انا عارفاك " ، وقبل ما ترد، سمعوا صوت ...وفهموا انه شكل مروان وعيلته وصلوا.
رزان بصت لمراد اللي كان بيمثل البرود التام، وكأنه مش مهتم، مع إن الحقيقة إنه كان "شاري دماغه" ومش عايز يبين إنه صعبان عليه يسلم أخته لمروان. مراد اتنهد بتثاقل وقال
"أدي أدي.. القلق ده كله عشان إيه؟ مروان مش جاي اول مرة هنا"
رزان ضحكت، وسحبته من إيده بخفة وهي بتقوله
"يا عم بطل برود بقى، ده يوم أختك! يالا بينا نطلع، الناس على وصول ومش عايزين نبان متأخرين."
مراد اتحرك معاها، بس نظرة عينيه اللي كانت بتبص على باب الأوضة قبل ما يخرج، كانت شايلة خوف أخ كبير بيسلم أغلى ما عنده.. رزان كانت حاسة بيه، وضغطت على إيده وهي ماشية جنبه، في انتظار اللحظة اللي هيبدأ فيها كل شيء.
______
بمجرد ما رزان شافتهم في الصالة ، حست ببرودة سَرَت في أوصالها. دي تاني مرة تواجه الست دي، والمرة اللي فاتت انتهت بخناقة صامتة ونظرات مسمومة. الخالة وجوزها كانوا واخدين موقف عدائي من مراد من يوم ما اتجوز رزان، وكانوا شايفين إن "منة" هي اللي كان مفروض تكون مكانها، بحكم "الترتيبات العائلية" القديمة اللي كانت بتقول إن مراد ومنة لبعض.
منة دخلت بابتسامة هادئة ، كل تفصيلة في لبسها كانت انيقة وثابتة .
رزان، رغم توترها اللي كان باين في حركة إيدها وهي بتعدل شعرها ، قدرت تتماسك وتديهم ترحيب لبق
"أهلاً بيكم يا طنط وياعمي .. نورتوا الفيلا."
اما رنيم كانت في عالم تاني خالص، توترها مكنش بسببهم، كانت بتبص للساعة كل دقيقة، قلبها بيدق مع كل عربية بتعدي من قدام البوابة. هي مش فارق معاها منة ولا كلام خالتها، كل همها إن "مروان" يوصل وتتحقق اللحظة اللي مستنيها.
الخالة قربت من مراد، وبصت له نظرة فاحصة مليانة لوم "يا مراد.. يا ابني، الواحد كان فاكر إن الأيام دي هنتجمع فيها على خير، مش زي ما حصل الفترة اللي فاتت. إحنا جينا عشان ننهي الماضي، ونفتح صفحة جديدة.. والزيارات دي بتفكرنا إن العيلة مهما حصل بتفضل عيلة."
كان كلامها مليان "مغزى" وسموم تفكرهم انه لسه مش راضيين عن اختياره.
مراد، بكل ثباته الانفعالي، رد بصوت هادي ومحترم
"أهلاً يا خالتي.. وجودكم مرحب بيه ، والبيت دايماً مفتوح لأصحابه.. والماضي زي ما قلتي، راح لحاله."
الخالة عينيها وقعت فجأة على إيد مراد اللي كانت متمسكة بإيد رزان بقوة، وكأنه بيعلن قدامهم كلهم إنها " مراته " ومفيش مكان لأي حد تاني. الضغط ده على إيد رزان كان رسالة قوية من مراد للخالة: "دي مكاني ومكانتي".
الخالة حاولت تتغاضى عن المشهد، ووجهت كلامها لرزان وهي بتحاول تبان "كبيرة العيلة"
"إنتي يا رزان.. اعتبريني زي حماتك ، والماضي بنرميه ورا ضهرنا، ومفيش داعي للحزازيات القديمة."
رزان ابتسمت ابتسامة طيبة ، وردت
"طبعاً يا طنط، نورتوا ثاني"
قبل ما الخالة تلاقي رد، وفجأة، الموبايل في إيد رنيم عمل إضاءة سريعة وصوت رسالة. فتحتها، وشها نور، ومن غير ما تحس بنفسها، لفت لمراد وبكل حماس وعفوية
"مروان وصل! هما عند البوابة دلوقتي ياا ماما !"
الخبر ده كان كفيل ينهي سيطرة الخالة على الموقف، ويخلي الكل يلتفت ناحية الباب، في لحظة خلطت فيها مشاعر الفرحة هي التي تسيطر ...
____
الفيلا كانت بتضج بالحياة، ومع وصول عربيات عيلة مروان، الجو اتغير تماماً. مروان دخل وفي وشه فرحة مش سيعاها الدنيا، ومعاه والده ووالدته، وكان معاهم "سامر" اللي مروان أصر إنه يكون في صفه، عشان يبقى الداعم ليه قدام "مراد" اللي معروف عنه إنه مدير حازم وصعب الإرضاء.
أول ما مراد شافهم، البرود اللي كان لابسه اختفى تماماً. سامر جري على مراد وحضنه، والتلاتة (مروان، مراد، وسامر) دخلوا في حضن جماعي، ضحكاتهم كانت صادقة وطالعة من القلب، صداقة سنين طويلة ما بتأثرش فيها مواقف ولا ظروف.
الترحيب كان حار، والكل دخل الصالة. رزان، لما راحت لسامر تسلم عليه سالته بابتسامة
"يا خسارة يا سامر، بلقيس مش معانا ليه؟ كان زمانها منورة الدنيا."
سامر ابتسم بأسف
"يا ريت يا رزان، بس بلقيس سافرت عند أهلها في مدينة تانية، وكان صعب جداً تيجي النهاردة."
رزان هزت رأسها بتفهم، وفي اللحظة دي حست بنظرات "خالة مراد" بتخترقها، كانت بتبص لها وكأنها بتقيم كل حركة وكل كلمة، بينما "منة" كانت بتشد مامتها من دراعها بهمس
"يا ماما سيبيها، كفاية بقى، خلينا في الليلة دي."
رزان تجاهلتهم تماماً وانسحبت بسرعة ناحية المطبخ، حيث كانت رنيم بتلف حوالين نفسها. رنيم كانت في حالة توتر هستيري، بتعدل فستانها، بتشوف شعرها، وبترجع تظبط الاكسسوارات
" مالك ؟" سالتها رزان وهي مسندة على الجدار وعاقدة ذراعيها
" مالي؟ ولا حاجة!" ردت فورا وبثقة مزيفة ، لكن وبعد لحظات اختفت الثقة وجت وراها الحقيقة
"رزان، أنا حاسة إني هقع! شكلي حلو؟ لا لا، القهوة مظبوطة؟ أنا نسيت السكر!"
رزان ضحكت وهي بترخي إيديها وقربت منها
"يا بنتي اهدي، القهوة مظبوطة، وإنتي زي القمر.. مروان هيشوفك الملاك اللي بيحلم بيه، مش واحدة بتترعش من صينية قهوة!"
رنيم بصت لها بعصبية خفيفة وتوتر
"إنتي بتضحكي؟ ده مروان وأهله بره، وخايفة اعمل حاجة"
رزان علقت بمزاح
" يعني لو عملتي حاجة هيقولوا لا!"
رنيم بصتلها بغيظ ورزان ضحكت و بدأت تساعدها في تجهيز القهوة، وبتنظم الصينية بحب. لحد ما آسيا نادت عليهم، وجت اللحظة الحاسمة. رنيم أخدت نفس عميق، مسكت الصينية بإيدين بترتعش، وخرجت للصالة.
عينيها كانت في الأرض، بس كانت حاسة بنظرات مروان اللي كانت مليانة حب وفخر. أهله كانوا بيبتسموا لها بحنان، وكأنها بنتهم فعلاً. لما قربت من مراد، رنيم وقفت قدامه وهي بتبتسم بتوتر، مراد بص لها، عيونه للحظة اتجمعت فيها مشاعر الأخوة والحماية، ابتسامة خفيفة وراضية ظهرت على وشه، كانت بتقول لها
"أنا راضي وفخور يا أختي الصغيرة "
مراسم "الطلبة" بدأت
الصالة سكتت تماماً. والد مروان اتنحنح وبص لمراد بجدية واحترام
"يا مراد ياابني ، إحنا مش بس جايين نطلب إيد رنيم، إحنا جايين نطلب القرب اللي يدوم.. إحنا عارفين غلاوة رنيم عندك، وعارفين إنها مش بس أختك، دي قطعة من قلبك."
مراد قعد بوقار، ملامحه كانت جدية بس عيونه كانت بتلمع برضا. رزان كانت قاعدة جنبه، حاسة بكل كلمة، وبصة للفرحة اللي في عين رنيم، وابتسامة رزان كانت عريضة وصادقة، كانت حاسة إنها بتشارك في بناء "عيلة" مش مجرد خطوبة.
مراد رد بصوت واثق وهادي
"يا عمي، رنيم دي هي اللي مربية قلبي، وأنا مش هلاقي أأمن من مروان عليها.. مروان ده أخويا قبل ما يكون صاحبي وأنا مش بس موافق، أنا متشرف بالقرب ده."
لحظة قول مراد "موافق"، رنيم أخدت نفس طويل والتوتر اللي كان في جسمها كله ذاب، وبصت لمروان اللي كانت ملامحه بتنطق "الحمد لله".
اللحظة كانت ملكهم . رزان كانت بتبص لمراد بإعجاب، حاسة إنه في اللحظة دي كان أرجل وأحن أخ في الدنيا.
الجو بقى دافي، وبدأت الأحاديث تتبادل عن تفاصيل الجواز والبيت الجديد، وكل نظرة بين رنيم ومروان كانت بتزيد البيت فرحة ونور.
______
بعد ما تم الاتفاق على كل التفاصيل، جه الوقت للشرط اللي "مراد" متمسك بيه بقوة
"سنتين.. ولا يوم قبل ما رنيم تخلص دراستها وتستلم شهادتها."
مروان، اللي كان متمسك بابتسامته، حاول يفك الجو وبدأ "يتسول" بدلع قدامهم
"يا مراد يا أخويا.. سنتين؟ ده أنا هبقى عجوز! طب خليها سنة؟ تسعة شهور؟ طيب ستة؟ ده إحنا كبرنا سوا يا راجل!"
مراد اتنحنح، وبكل "جدية مزيفة" ملامحه اتحولت للجمود وقال
"يا مروان يا ابني، إحنا عيلة ماعندهاش بنات للجواز.. إحنا بنخزنهم عندنا! وبعدين رنيم دي لسه في سن الطفولة، مش عارف إزاي وافقت أصلاً."
الصالة كلها انفجرت ضحك، حتى آسيا ضحكت وهي بتهز راسها على "غلاسة" ابنها. مروان قام وقف قدام مراد وبدأ يمثل إنه "بيترجى" بإيدين متجمعة
"يا عم بلاش افتراء! خلاص موافق موافق ! "
سامر، اللي كان قاعد ومستمتع بالفيلم ده، ضرب مروان على كتفه وهو بيضحك
"يا ابني اهدى شوية! ده مراد لو قال سنتين يعني سنتين، احمد ربنا إنه ماقالش تخلص ماستر ودكتوراه! خليك عاقل كده واصبر، ده الصبر مفتاح الفرج."
والد مروان اتدخل بضحكة وقورة
"يا مراد يا ابني، احنا موافقين على شرطك، السنتين دول لتعليمها ومستقبلها، وده حقها علينا كلنا، مروان بيهزر معاك، ده يوم المنى عنده."
جو الصالة اتحول فجأة لهدوء مليان مشاعر. رنيم قامت، والكل قاموا وابو مروان طلع القطيفة. مروان قرب منها، وفي إيده خاتم ذهبي ناعم ، و رنيم مدت إيدها بكلام امها وبدأت ترتعش، مروان لبّسها الخاتم بلمسة رقيقة، وبص في عينيها بنظرة وعد. وبعدين رنيم لبسته خاتمه، وفي اللحظة دي، مروان ماقدرش يتمالك نفسه وضحك بفرحة "أخيراً بقيتي ملكي يا رنيم!"
مراد قام وقف، قرب من أخته اللي كانت عيونها فيها دموع فرح، باس رأسها بحنية أب وأخ كبير، ورنيم متمسكتش بأي حاجة غير إنها ترمي نفسها في حضنه وتتمسك ببدلته بكل قوتها، وكأنها بتقوله "شكراً لانك وافقت، شكرا لانك معايا"
مراد بعد عنها شوية، وبص لمروان اللي كان واقف بيلمع من الفرحة بعدما سلم على ابوه ومامته وحماته ، مراد حضنه حضن رجالة قوي، ضربه على ضهره وقال له بصوت واطي جدا
"أمانة في رقبتك يا مروان.. دي روحي."
ومروان رد عليه بنفس القوة والصدق
" دي روحنا يا اخويا"
سامر كان واقف على جنب، ابتسامته واصلة لودنه، كان فرحان لصاحب عمره، وفرحان لمراد اللي أثبت إنه مهما كان شديد، قلبه بياض كالحليب على أهله.
ورنيم كملت تسليم على حماتها و حموها اللي واضح انهم حابينها ومرحبين بيها جدا .
______
الجو في الفيلا كان مليان بهجة، ومروان وأهله والضيوف كانوا بيتبادلوا الضحكات في الصالة. رزان، وسط كل ده، موبايلها رن في إيدها، وكانت مكالمة من مامتها. بصت لمراد اللي كان غرقان في كلام مع سامر ومروان، ولما لاحظ حركة رزان، سألها بهدوء عن السبب.
ابتسمت وقالت له
"ماما بتتصل بيا.."
مراد، اللي بيقدر حماته جداً وبتحسسه بدفء العيلة اللي بيحبه، رد عليها بترحيب
"سلميلي عليها كتير، قولي لها وحشتني."
رزان أومأت براسها بابتسامة، وقامت وهي حاسة بسعادة داخلية، وخرجت لمكان هادي ترد على مكالمتها. حكت لمامتها تفاصيل الخطوبة، وسمعت منها كلام يطمنها ويحسسها إن مامتها مرتاحة، والراحة دي انتقلت لرزان.
بعد ما قفلت، حست برغبة في الاطمئنان على الترتيبات الأخيرة للعشا قبل ما ترجع للصالة، فمشيت ناحية المطبخ. وهي ماشية، الريحة الشهية للأكل كانت واصلة لها، بس فجأة، وهي بتمر جنب ركن جانبي قريب من المطبخ، وقفت مكانها متجمدة.. صوت خالة مراد كان واضح بلهجة كلها لوم وعتاب، والصوت كان جاي من ناحية "الصور" المعلقة في الممر الجانبي، حيث كانت آسيا واقفة مع أختها (خالة مراد)
رزان اتسمرت في مكانها، الكلام اللي سمعته خلى الأكسجين يهرب من صدرها
"إنتي ساكتة إزاي يا آسيا؟" صوت الخالة كان حاد ومليان مرارة "بعد كل اللي بينا، والترتيبات اللي كنا متفقين عليها.. إزاي مراد يقرر يتجوز 'دي' من غير ما يرجع لنا؟ يوم ما دخلها البيت وعلنها مراته قدام الكل، أنا و جوزي كنا هنتشل من الصدمة، كأنه كسر كرامتنا وكرامة منة في الأرض!"
رزان حست بدوخة، الابتسامة اللي كانت على وشها اتبخرت، وبدأت تسمع صوت حماتها وهي بتحاول تلطف الجو، بس الكلام كان وقع كالصاعقة
"يا أختي، ده نصيب.. مراد فاجأني أنا كمان، والله ما كنت أعرف إنه ناوي على الخطوة دي في الوقت ده."
الخالة كملت بلوم شديد
"كان لازم ترفضي! كان لازم توقفي المهزلة دي.. منة، مين زي منة؟ متعلمة بره، برستيج، أدب، ذكاء، ومكانتها معروفة.. دي كانت العروسة اللي تليق بمراد وباسم عيلتك "
آسيا، في لحظة ضعف، وفي محاولة عشان ترضي أختها اللي بتضغط عليها، قالت الكلمة اللي ذبحت رزان من جواها
"والله معاكي حق.. مين في جمال منة وأصلها؟ رزان.. أهي بقت موجودة في البيت، هعمل إيه؟ الأمر واقع، بس منة تفضل في مكانة تانية خالص."
وكملت بتاكيد
" دي زي بنتي دي زي رنيم تماما يااختي ...مافيش حد ياخد مكانها ...بس ارجوكي خلينا نتقبل الواقع ..."
رزان، اللي كانت من ساعات بس حاسة إنها "بنتها اللي ما خلفتهاش" بعد ما افتخرت بيها قدام الناس، دلوقتي حست إن كل كلمة حلوة كانت مجرد "تمثيلية" .
كانت واقفة ورا الصور، دموعها اتحجرت في عينيها، والإحساس بالأمان اللي كان مالي قلبها اتكسر في ثانية.
حست بغصة في حلقها، هي اللي كانت بتساير حماتها وبتحاول ترضيها بكل الطرق، اكتشفت إن كل اللي فات كان "مجاملات" عشان الست مجبورة تتقبلها . كان نفسها تخرج وتواجههم، بس جسمها كان مشلول، وكرامتها كانت بتقول لها "استخبي".. وقفت بتترعش، مش عارفة إزاي هتقدر ترجع للصالة دلوقتي وتكمل الليلة وهي عارفة إنها "غريبة" في نظر حماتها، وإن كل الفخر اللي أظهرته قدام الناس كان قناع بيتحرك حسب مصلحة العيلة.