الوجوه التي سرقها الحجيم
أمسك ريو بالصورة، وفي تلك اللحظة، شعر بصداع حاد يضرب مؤخرة رأسه، كأن جداراً في ذاكرته بدأ يتصدع. كانت الصورة ملونة بألوان دافئة، وسط حقل شاسع من دوار الشمس، لكن محتواها كان يقطر ألماً وغرابة.
الصدمة الأولى (لوري): في منتصف الصورة، كانت تقف فتاة فاتنة جداً، بيضاء كالثلج، بشعر بني حريري يلمع تحت الشمس وعيون زرقاء صافية كالألماس. كانت تشبه الملائكة في نظافتها وأناقتها. حول وجهها، رسمت لوري قلباً أحمراً بمداد مرتجف، وكتبت فوقه بخط طفولي حزين: "!me".
نظر ريو إلى الكلمة ثم إلى الفتاة.. لم يكن هناك أي شبه بين هذه "الأميرة" وبين لوري التي رآها منذ قليل بوجهها الشاحب، وملابسها الباهتة، وجسدها المنهك. لوري لم تفقد كليتها فقط، بل فُقدت ملامحها بالكامل في غياهب الفقر والتعب.
الصدمة الثانية (نيكيتا): بجانبها، كانت هناك فتاة تشبه نيكيتا، لكنها لم تكن نيكيتا التي يعرفها. كانت بشعر قصير، وملامح تفيض لطفاً وطيبة، تضحك من أعماق قلبها وهي تحمل "همستر" صغيراً بين يديها. كانت تبدو كطفلة لم تعرف الخوف يوماً.
الصدمة الثالثة (ريو): في زاوية الصورة، كانت الفاجعة. رأى ريو فتاة تشبهه تماماً، وبجانبها ولد يملك وجهه بالضبط. لكن التناقض كان يصرخ؛ الفتاة كانت نظيفة جداً، بينما الولد كان عفن الثياب، قميصه ممزق ووجهه ملطخ بالتراب، وكأنه كان يعيش في قبو مظلم بينما الآخرون في الحقل.
ضياعُ الذاكرة
أغمض ريو عينيه بقوة، حاول أن يستحضر رائحة دوار الشمس، أو ملمس فرو "الهمستر"، أو حتى ملمس ثيابه القذرة في تلك الصورة.. لكن لا شيء. عقله كان صفحة بيضاء ممسوحة بعناية
نظر ريو إلى الولد "العفن" في الصورة، وشعر بغثيان. هل كان هو المنبوذ؟ هل كان هو الذي يُعذب بينما نيكيتا تضحك؟ وكيف تحولت تلك الفتاة الفاتنة (لوري) إلى "حطام إنسان" لتنقذه هو؟
في هذه الأثناء: نيكيتا والتيه
أما نيكيتا، فكانت تمشي في الشارع بخطوات آلية. لم تعد تشعر ببرودة الجو، ولا بأصوات السيارات حولها. كانت يدها لا تزال ترتجف، وصوت "رنين الصفعة" يتردد في أذنيها كأنه صرخة استغاثة.
كلما رأت طفلة تضحك، كانت ترى وجه لوري الملطوم. كلما رأت الحرير في واجهات المحلات، كانت تشعر بـ "القرف" من معطفها الفاخر. كانت تمشي وهي تهمس لنفسها بكلمات لوري عن "الخدش في الدبوس"، وتحاول أن تقنع نفسها بأنها تكذب.. لكن دموعها التي لا تتوقف كانت الدليل الأكبر على أنها تصدق كل حرف.
نيكيتا لم تكن تمشي نحو البيت، بل كانت تمشي هرباً من نفسها، وهرباً من الحقيقة التي تقول إن "الأميرة" التي تسكن القصر ليست سوى طفلة سرقت حياة صديقتها.
مشهد مرعب.. ريو يملك الصورة، ونيكيتا تائهة في شوارع المدينة، ولوري في الملجأ تصارع ألم "الكلية" وألم "الصفعة".