تشريح الارواح حين ينظق الرماد
ساد صمت جنائزي في المكتبة، لم يقطعه سوى صوت المطر الذي يضرب النوافذ كأنه صرخات مكبوتة. كانت نيكيتا تنظر إلى لوري بنظرة ملؤها الرعب والاشمئزاز، وكأنها ترى شبحاً يتحدث.
نيكيتا (بصوت مهتز وهي تتراجع): "أنتِ.. أنتِ حقاً فقدتِ عقلك! لابد أن الملجأ قد دمر خلايا دماغكِ. كيف تجرئين على تأليف قصص عن عائلتي؟
ريو (ببرود يشوبه الغضب): "لوري، هذه ليست مجرد 'مزحة ثقيلة'، هذا هوس مرضي. توقفي عن تخيل حياة لم تعيشيها، نحن لا نعرفكِ!"
الزلزال الأول: عائلة نيكيتا
ضحكت لوري، لكنها كانت ضحكة فارغة، ضحكة شخص مات قلبه منذ زمن. تقدمت من نيكيتا التي بدت ضئيلة جداً أمام غضب لوري الهادئ.
لوري (بهمس حاد): "مجنونة؟ حسناً.. هل تخبرني الصحف عن ماشا؟ أختكِ التي تملك شعراً أحمر كالنار، والتي كانت تسرق عرائسكِ لتقطع رؤوسها لأنها تغار من حب أمكِ لكِ؟ هل تخبرني الملفات عن ديميتري؟ أخوكِ الذي تظنينه سنداً، بينما هو 'المزعج' الذي كان يحبس قططكِ في القبو لكي تنهاري بالبكاء ثم يأتي ليمثل دور المنقذ؟"
شحب وجه نيكيتا حتى صار بلون الورق. سقطت حقيبتها من يدها، وارتجفت شفتها: "كيف.. كيف عرفتِ بشأن ماشا؟ لم أخبر أحداً هنا أن لي أختاً!"
الزلزال الثاني: جحيم ريو والأم القاسية
التفتت لوري نحو ريو، الذي كان يشد بقبضته على الطاولة حتى ابيضت مفاصله.
لوري: "وأنت يا ريو.. تصر أنك أمريكي؟ تظن أن تلك القصور الفاخرة التي تظهر في كوابيسك كانت مجرد خيال؟ أمك البيولوجية يا ريو.. لم تكن ملاكاً. كانت امرأة ثرية حد الفحش، وقاسية حد الإجرام. هل تذكر الغرفة المظلمة؟ هل تذكر كيف كانت تطفئ سجائرها في روحك قبل جسدك؟ لقد كانت تعذبك لأنك تشبه والدك الذي هجرها!"
ريو (بصراخ): "كاذبة! أمي هي 'بيتي'! تلك المرأة الجميلة التي لا تتجاوز الواحد والثلاثين عاماً، هي من ربتني! انها امي أنا أمريكي ولدي أوراق تثبت ذلك!"
طعنة الحقيقة: الهروب من البيت
اقتربت لوري من ريو حتى شعرت بأنفاسه المضطربة، وقالت بلهجة مكسورة:
لوري: "تلك المرأة الجميلة ليست أمك.. انها مجرد فتاة ترعاك الم تنتبه الى الفارق البسيط في عمريكما كن ذكيا ريو اذا كانت امك حقا فهل انجبتك في ال 12 من عمرها. أنت هربت من ذلك البيت في روسيا ليلة الحريق، كنت ممسكاً بيدي، كنت تصرخ (لوري، لا تتركيني!). لو كنت تتذكر حقاً.. لو كان في قلبك ذرة من الوفاء لتلك الليلة، لكنت عرفتني بمجرد أن رأيت عينيّ. لكنك فضلت الكذبة المريحة على الحقيقة المرة."
ثم صرخت والدموع تنهمر كالسيل: "كون جيت تتفكر.. راك تفكرتني! راك عرفت بلي هاد الضحكة المتمسخرة هي لي كانت تغنيلك باش ترقد! راك عرفت بلي هاد الندبة لي في ظهري هي لي خلاتك تعيش!"
الانهيار
سقطت نيكيتا على ركبتيها وهي تبكي بنحيب مرير، مدركة أن كل تفصيلة قالتها لوري عن "ماشا" و"ديميتري" هي حقيقة دفنتها في أعماقها. أما ريو، فقد وضع يده على رأسه وسقط على الكرسي، والصداع ينفجر في جمجمته كالقنبلة. بدأت صور "ابنة العجوز" الجميلة تتشوه في عقله، لتظهر مكانها امرأة أخرى، غنية، باردة، وتمسك بسوط من الحرير.
نظرت لوري إليهما للمرة الأخيرة بابتسامة ساحقة" التي تخفي وراءها حطاماً، وقالت:
"استمتعا بحياتكما 'المثالية'.. أما أنا، فسأعود لملجئي، حيث لا يوجد كذب، وحيث الذكريات هي الوحيدة التي تشعرني أنني كنتُ يوماً ما.. إنسانة."
خرجت لوري، تاركة خلفها جسدين محطمين، وذاكرة بدأت تستيقظ لترجمهما بالحقيقة.