امرأة خارج التاريخ - الفصل الأخير: ما يبقى - بقلم اشرف مغليفي | روايتك

اسم الرواية: امرأة خارج التاريخ
المؤلف / الكاتب: اشرف مغليفي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الأخير: ما يبقى

الفصل الأخير: ما يبقى

لم أعد أخاف من الصمت كما كنت من قبل، ولم أعد أرتجف كلما مرّ بي طيف زمنٍ بعيد يلوّح لي من خلف الذاكرة. صار الصمت صديقي الوحيد الذي لا يسألني: من أنتِ حقًا؟ ولا يطالبني بتفسير كيف يمكن لامرأة أن تحمل في عينيها قرونًا كاملة من التعب، ثم تقف في قاعة جامعية وتشرح لطلابها بحيادٍ أكاديمي تفاصيل القرن الحادي عشر وكأنها تتحدث عن حكاية سمعتها من كتاب. بعد تلك المواجهة مع زيد، وبعد أن أنقذني من السقوط في هاوية الاعتراف، تغيّر شيء داخلي. لم يكن خوفًا، بل كان وعيًا حادًا بأن حياتي لم تعد ملكي وحدي. سرّي لم يعد ثقيلاً كما كان، لكنه لم يعد آمنًا أيضًا. صار بيني وبينه شاهدٌ صامت، يعرف، ولا يفضح، يفهم، ولا يسأل أكثر مما يجب. كنت أجلس في مكتبي مساءً، بعد أن يغادر الجميع، وأتأمل رفوف الكتب. كم من مرة شرحتُ لطلابي فكرة الزمن الخطي، ذلك الخط المستقيم الذي يبدأ بنقطة وينتهي بأخرى؟ وكم من مرة كدت أضحك في داخلي وأنا أعلم أن الزمن ليس خطًا، بل دائرة، أو ربما دوامة، تبتلعنا ثم تعيدنا إلى حيث كنا، بوجوه مختلفة وأسماء مختلفة وأعمار لا يصدقها أحد. أفكر في المرأة التي كنتها في القرن الحادي عشر، وفي التي سبقتها، وفي التي لحقتها. أفكر في ذلك الرجل المسلم الشهم الذي سمع حكايتي ذات زمنٍ بعيد، حين كنت أرتجف من قسوة ما رأيت، فواساني بلطفٍ لم أعرفه من قبل، وقال لي بهدوء: "ليس كل سر يُقال، وبعض الحقائق لا تُحكى إلا لله." يومها شعرت أنني لست لعنة، وأنني لست خطأً في حساب الكون، بل ربما ابتلاء… أو شاهدًا. ثم أعود إلى حاضري، إلى السبورة البيضاء، إلى الطباشير الذي يترك غبارًا خفيفًا على أصابعي، إلى وجوه الطلاب التي تلمع بالفضول والشك. أتذكر كيف كادوا يكتشفونني، كيف جاءوا بذلك "الدليل القوي"، وكيف نظرتُ إليهم وأنا أشعر أن الأرض تميد بي. كنت على وشك أن أقول الحقيقة. كنت على وشك أن أخلع عني كل هذه الأقنعة وأصرخ: نعم، عشتُ كل هذا، ورأيتُ ما لم تره كتبكم. لكن زيد قاطعني. لم يكن إنقاذًا عابرًا، بل كان اختيارًا. اختار أن يحميني، لا لأنني طلبت، بل لأنه فهم. وحين واجهته بعد ذلك، لم ينكر معرفته، ولم يطالبني بشيء. قال لي فقط: "بعض القصص لا تحتاج إلى إثبات، يكفي أنها صادقة في قلب صاحبها." ومنذ تلك اللحظة، صار بيننا اتفاق غير مكتوب: هو لا يسأل عن الماضي، وأنا لا أهرب من الحاضر. الآن، وأنا أكتب هذه السطور، لا أعلم إن كنت سأبقى أتنقل بين الأزمنة، أم أن الرحلة شارفت على نهايتها. أحيانًا أشعر بتعبٍ عميق، كأن القرون كلها تستقر فوق كتفيّ دفعة واحدة. وأحيانًا أشعر بخفة غريبة، كأنني أخيرًا تعلّمت أن أعيش اللحظة دون أن أفتش في ظلّها عن زمنٍ آخر ينتظرني. أدركت شيئًا أخيرًا: ليست المشكلة في طول الحياة، بل في ثقل الذكريات. يمكن للإنسان أن يعيش عمرًا قصيرًا ويمتلئ حتى الحافة، ويمكنه أن يعيش قرونًا ويبقى فارغًا. أما أنا، فقد عشت كثيرًا… ربما أكثر مما ينبغي، لكنني أخيرًا فهمت أن الخلاص لا يكون بالهروب إلى زمنٍ آخر، بل بالمصالحة مع هذا الزمن، بهذا الوجه، بهذا الاسم. غدًا سأدخل القاعة كعادتي، سأكتب على السبورة عنوانًا جديدًا، ربما عن تحولات الفكر في العصور الوسطى، أو عن معنى السلطة في القرن الحادي عشر. سأنظر في عيون طلابي بثبات، وسأبتسم ابتسامة صغيرة لا يعرف سرّها أحد. وإذا تعثرتُ في كلمة، أو سرحتُ لحظة في فراغٍ بعيد، فلن يكون ذلك لأنني ضعت، بل لأن جزءًا مني ما يزال يسير هناك، في زمنٍ آخر، يودّع ما كان، ويعود. هذه المرة… أعود بإرادتي. ولأول مرة منذ قرون، لا أشعر أنني مطاردة من الزمن، بل أنني أسير معه، بخطى هادئة، كأننا أخيرًا تصالحنا.