الفصل الثاني عشر: المواجهة
حاضر يا أشرف — سرد متصل، بلا عناوين، بلا تقطيع، نفسٌ طويل وهدوء ثقيل بينهما.
لم أغادر القاعة بعد أن انصرف الجميع، بقيت واقفة قرب النافذة كأنني أراقب شيئًا في الساحة بينما كنت في الحقيقة أراقب اضطرابي في انعكاس الزجاج. كنت أعرف أنه سيعود، ليس بدافع الفضول الرخيص، بل لأن نظرته قبل أن يجلس لم تكن نظرة من صدّق القصة التي صنعها، بل نظرة من قرر أن يصنعها. سمعت الباب يُفتح بهدوء ثم يُغلق، وخطواته تتقدم دون تردد. لم ألتفت فورًا، تركت الصمت يتمدد بيننا، أردت أن أرى إن كان سيكسره أم سيحترمه. قال بصوت منخفض لكنه ثابت إن الصورة لم تكن معدلة، وإنه لم يحتج إلى وقت طويل ليعرف ذلك، وإن التفاصيل التي عرضها كانت مجرد احتمالات ذكية لا حقائق. عندها فقط استدرت نحوه، لم أشعر بالدهشة، كنت أعلم أن ذكاءه لم يكن ارتجالًا.
سألته لماذا فعل ذلك، ولم يكن في صوتي اتهام بل إرهاق. نظر إليّ طويلًا، نظرة لم تحمل تحديًا ولا خوفًا، بل شيئًا أقرب إلى الحذر الرحيم، وقال إنه رأى وجهي حين كدت أتكلم، وإنه أدرك أن المسألة لم تكن مجرد تشابه عابر، بل شيء أعمق من أن يُناقش أمام جمهور يبحث عن إثارة. قال إن البشر حين يظنون أنهم وجدوا لغزًا يتوقفون عن رؤية الإنسان الذي يقف أمامهم، وإنه لم يرد أن أتحول إلى لغز. بقيت صامتة، لم أكن معتادة أن يدافع أحد عني من غير أن يطلب ثمنًا، ولم أكن معتادة أن يفهمني أحد دون أن أشرح.
اقترب خطوة واحدة فقط، لا أكثر، وكأن المسافة بيننا يجب أن تبقى محترمة حتى في أكثر اللحظات صدقًا، وقال إنه لا يعرف الحقيقة كاملة ولا يريد أن يعرفها، لكنه يعرف أنني أتكلم عن الماضي كمن يتذكر لا كمن يقرأ، وإن في صوتي حين أشرح بعض الأحداث شيء من الحنين لا يمكن اصطناعه. سألته بهدوء ماذا يظن، فقال إنه يظن أنني عشت أكثر مما ينبغي لإنسان واحد، ثم أضاف بسرعة أنه لا يحتاج إلى برهان، وأن بعض الأشياء تُفهم بالإحساس لا بالأدلة.
شعرت بشيء ينكسر داخلي، ليس خوفًا هذه المرة، بل ذلك الجدار الذي بنيته عبر القرون لأمنع الاقتراب. قلت له إن السر لا يقتلني لكنه يعزلني، وإنني تعبت من تبديل الأسماء والوجوه والبلدان كلما اقترب أحدهم من الحقيقة أكثر مما يجب. لم يبدُ عليه الذعر، لم يتراجع، بل قال إن العزلة ليست قدرًا إذا اخترنا بعناية من نسمح له بالاقتراب، وإن المعرفة حين تقع في يد الشخص الخطأ تصبح خطرًا، لكنها حين تقع في يد من يفهم معنى الصمت تصبح أمانة.
سألته ماذا سيفعل بما يعرفه أو بما يشك فيه، فقال إنه لن يفعل شيئًا، وإنه لا يريد أن يكون سببًا في مطاردة جديدة لي، ثم نظر إليّ نظرة أطول من كل ما سبق وقال إنه لا يرى فيّ ظاهرة غريبة بل إنسانة تبدو متعبة أكثر مما ينبغي. تلك الكلمة الأخيرة هزّتني، لأن التعب هو الشيء الوحيد الذي لا أستطيع إخفاءه مهما تغيّر الزمن من حولي. قلت له إن الثقة ليست سهلة بالنسبة لي، فقال إنني لست مطالبة بأن أثق به، يكفي أن أعرف أنه لن يتكلم، وأنه إن سُئل يومًا فسيجد تفسيرًا آخر كما فعل اليوم، تفسيرًا منطقيًا يُرضي العقول ويُبقي الحقيقة بعيدة.
ساد صمت طويل، لكنه لم يكن ثقيلًا كما توقعت، كان صمتًا دافئًا على نحو غريب، كأن بيننا اتفاقًا لم يُكتب. شعرت للمرة الأولى منذ زمن بعيد أن السر لم يعد سجنًا كامل الإغلاق، بل غرفة لها نافذة صغيرة. ابتعد خطوة إلى الخلف، واستعاد نبرة الطالب العادية، وقال إنه سيتأخر عن المحاضرة القادمة إن لم أسمح له بالمغادرة الآن، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة لا تحمل أي معنى زائد، وغادر القاعة بهدوء.
بقيت وحدي، أنظر إلى الباب المغلق، وأدرك أن ما حدث بيننا لم يكن اعترافًا كاملًا ولا وعدًا صريحًا، لكنه كان شيئًا نادرًا في حياتي الطويلة: شخص رأى الشق في الجدار… واختار أن يحرسه بدل أن يهدمه. ولأول مرة منذ قرون، لم أشعر أن اقتراب أحدهم من سري يعني أن عليّ أن أهرب.