الفصل الحادي عشر: ما كاد يُقال
بدأ الأمر برسالة مجهولة في البريد الجامعي.
لم أكن أعلم بها في البداية، لكنني شعرت بالتغيّر في الهواء قبل أن أعرف التفاصيل. الهمسات لم تعد خافتة، النظرات لم تعد عابرة. كان هناك شيء يتكوّن… شيء منظّم.
دخلت القاعة ذلك اليوم فوجدت صمتًا غير مألوف. ليس صمت انشغال، بل صمت انتظار.
وضعت حقيبتي ببطء.
رفعت بصري.
وفي الصف الأمامي، كانت هناك أوراق مطبوعة موزعة على عدة طاولات.
عرفت فورًا.
قال أحد الطلاب، بنبرة حاول أن يجعلها محترمة:
"دكتورة… نريد فقط توضيحًا."
لم أجب.
مدّ طالب آخر ورقة نحوي.
نظرت إليها.
صورة قديمة تعود — حسب العنوان — إلى أواخر القرن التاسع عشر. صورة لبعثة أكاديمية في مدينة أوروبية. في الصف الخلفي، تقف امرأة تشبهني إلى حدٍ مرعب.
ليس شبهًا عابرًا.
بل مطابقًا.
وتحت الصورة، قصاصة من سجل قديم تشير إلى اسم يشبه أحد أسمائي السابقة.
شعرت بشيء بارد يمرّ في ظهري.
كم مرة حذّرت نفسي من الصور؟
كم مرة غادرت مدينة قبل أن تُلتقط لي لقطة واحدة؟
لكن البشر يحبون الاحتفاظ بالأشياء.
وأنا… لا أختفي من الورق بسهولة.
قالت طالبة من الخلف:
"وهناك أكثر من صورة، في فترات زمنية مختلفة… ونفس الوجه تقريبًا."
لم أتحرك.
كنت أعرف تلك اللحظة.
رأيتها من قبل في عصور أخرى.
لحظة يتحول فيها الفضول إلى ريبة.
رفعت رأسي ببطء.
ونظرت إليهم.
كان بإمكاني أن أنكر.
أن أضحك.
أن أتهمهم بالمبالغة.
لكن شيئًا في داخلي كان متعبًا.
متعبًا من الاختباء.
متعبًا من تبديل الأسماء.
متعبًا من أن أكون قصة لا تُروى.
فتحت فمي.
ولأول مرة منذ قرون، شعرت بأن الكلمات تريد أن تخرج بلا قناع.
"أنتم لا تتخيلون كم—"
وقبل أن أكمل،
تحرك زيد.
لم يكن جالسًا في المقدمة.
كان في الصف الجانبي، صامتًا طوال الوقت، يراقب.
رفع يده بهدوء وقال:
"عذرًا، أعتقد أنني وجدت المشكلة."
التفتت إليه العيون.
اقترب من الشاشة، طلب عرض الصورة الأصلية بدقة أعلى. فتح حاسوبه بسرعة، بدأ يقارن بين النسخ التي وزعها الطلاب والصورة المحفوظة في الأرشيف الرقمي.
كان هادئًا.
باردًا.
مركّزًا.
قال بنبرة تحليلية لا عاطفية:
"لاحظوا الظلال هنا. زاوية الضوء لا تتطابق مع بقية الأشخاص. وهناك تشويه بسيط عند خط الفك… هذا ليس من جودة الصورة، بل من دمج رقمي."
بدأ بعض الطلاب يتململون.
تابع:
"النسخة المتداولة في الأرشيف لا تحتوي على هذه المرأة أصلًا. هذه النسخة ظهرت في منتدى رقمي قبل خمس سنوات، وتم التلاعب بها كنوع من تجربة الذكاء الاصطناعي في إسقاط الوجوه الحديثة على صور قديمة."
فتح الصفحة الأصلية أمامهم.
الصورة بدون المرأة.
أو بدون… وجهي.
تبادل الطلاب النظرات.
أضاف زيد بهدوء قاتل:
"أما الاسم المشابه… فهو اسم شائع في تلك الفترة. الربط بينه وبين الدكتورة استنتاج عاطفي، لا بحث علمي."
الصمت تغيّر.
لم يعد صمت اتهام.
بل صمت إحراج.
أغلق حاسوبه.
عاد إلى مكانه.
وقبل أن يجلس، نظر إليّ.
لم تكن نظرة اتهام.
ولا نظرة شك.
كانت نظرة طويلة… عميقة… كأنه يقول دون صوت:
كنتِ على وشك أن تفعليها.
ثم جلس.
وكأن شيئًا لم يحدث.
الطلاب بدأوا يتراجعون بالكلمات.
"ربما بالغنا…"
"كانت مجرد فرضية…"
"نعتذر إن سببنا إزعاجًا…"
ابتسمت ابتسامة هادئة، متزنة.
"البحث العلمي يبدأ بالشك. لكن يجب أن ينتهي بالدليل."
خرجوا تباعًا.
انتهى التوتر كما يبدأ الحريق أحيانًا… فجأة.
لكنني بقيت واقفة.
أنظر إلى زيد.
كان يجمع أغراضه ببطء.
لم يقترب.
لم يتكلم.
غادر القاعة بهدوء.
والهمسات التي كانت تكبر منذ أيام…
اختفت.
لكن شيئًا آخر بدأ في داخلي.
ليس خوفًا.
بل سؤالًا:
كيف رأى الحقيقة بهذه السرعة؟
وهل أنقذني لأنه شكّ… أم لأنه فهم؟