الفصل العاشر: الهمسة الأولى
عُدتُ إلى الحاضر كما يعود المرء من بحرٍ عميق، يتنفس بصعوبة لكنه يتظاهر بأنه بخير. كانت ذكرى تلك المدينة الشرقية لا تزال دافئة في صدري، دافئة على نحوٍ مؤلم. ربما لهذا السبب لم أكن متزنة تمامًا صباح ذلك اليوم.
دخلت القاعة كعادتي، هادئة، مرتبة، واثقة. الطلاب جلسوا أمامي بملامحهم المختلفة؛ بعضهم يكتب قبل أن أبدأ، بعضهم يرفع هاتفه خلسة، وبعضهم ينظر إليّ كما لو أنني أروي لهم أسطورة.
بدأت المحاضرة عن القرن الحادي عشر، عن التحولات الفكرية، عن المدن التي احتضنت العلم بدل أن تخشاه. كنت أتكلم بانسياب، أتحرك بين الطاولات، أشرح تفاصيل الحياة اليومية في إحدى المدن الشرقية… تفاصيل أعرفها أكثر مما ينبغي.
ثم حدث الخطأ.
لم يكن صاخبًا.
لم يكن واضحًا.
كان جملة واحدة فقط خرجت منّي بلا حذر:
"أتذكر أن المخطوطات كانت تُحفظ في صناديق خشبية صغيرة في زاوية الفناء، بعيدًا عن الرطوبة، وكنت أرتبها حسب نوع الورق لا حسب موضوعها…"
توقفت.
ليس لأن أحد قاطعني.
بل لأنني سمعت نفسي.
كان الصمت خفيفًا أولًا، ثم تغيّر. في الصفوف الأمامية، رأيت تبادل نظرات سريعة. في الخلف، توقفت أقلام عن الحركة. أحدهم رفع رأسه ببطء كما لو أنه يحاول أن يتأكد مما سمع.
ابتسمت فورًا وعدّلت العبارة:
"أقصد… كانوا يرتبونها."
ضحكة خفيفة انطلقت من أحد الزوايا، لكنها لم تكن سخرية، كانت دهشة.
تابعت الشرح بثبات، وكأن شيئًا لم يحدث، لكنني كنت أعرف أن الذاكرة حين تنزلق إلى اللسان تترك أثرًا لا يمحى بسهولة.
بعد انتهاء المحاضرة، لم يخرجوا مباشرة كما يفعلون عادة. بقوا في مجموعات صغيرة، يتحدثون بصوت منخفض. لم أسمع كلمات واضحة، لكنني رأيت اسمي يتكرر على الشفاه.
في الأيام التالية بدأت ألاحظ شيئًا آخر.
طلاب يطيلون النظر في وجهي أكثر من اللازم.
طالبة قالت لي فجأة:
"دكتورة… عندي صورة قديمة من أرشيف المدينة تعود لمئة سنة تقريبًا، وصدقيني تشبهك كثيرًا."
قالتها مازحة.
ضحك من حولها.
ضحكت أنا أيضًا.
لكن قلبي لم يضحك.
في مكتبي، فتحت حاسوبي وبحثت عن الصورة. كانت صورة جماعية لأساتذة قدامى. نظرت إليها طويلًا.
كانت تشبهني فعلًا.
أو ربما أنا من تشبهها.
أغلقت الشاشة بسرعة.
في نهاية الأسبوع، استدعاني العميد. لم يكن عدائيًا، لكنه كان متحفزًا، كمن يحاول أن يربط خيطين غير متوافقين.
قال لي بنبرة رسمية:
"هناك ملاحظات غريبة من بعض الطلاب. يقولون إنكِ أحيانًا تتحدثين عن أحداث تاريخية بصيغة شخصية جدًا…"
هززت رأسي بهدوء.
"الاندماج في السرد يساعدهم على الفهم."
صمت لحظة، ثم أضاف:
"وربما يساعدهم على التساؤل أيضًا."
كانت جملة محايدة، لكنها لم تكن عابرة.
خرجت من مكتبه وأنا أشعر بشيء لم أشعر به منذ زمن بعيد.
ليس الخوف من الموت.
بل الخوف من الانكشاف.
في المساء، جلست وحدي في شقتي، أحدق في المرآة. الوجه نفسه. العينان نفسهما. الزمن مرّ على العالم كله… إلا عليّ.
تمتمت بصوت خافت:
"أخطأتِ."
لم يكن الخطأ في الجملة وحدها.
كان في نسياني أنني، مهما طال بي العمر، أعيش بين بشر لا يحتملون ما لا يفهمونه.
وفي تلك الليلة، أدركت أن الحاضر بدأ يقترب من سري أكثر مما ينبغي.
والهمسات…
لا تبقى همسات إلى الأبد.