الفصل الرابع
الصباح جا… لكن ما كان فيه أي إحساس ببداية جديدة.
الشمس أشرقت على القصر كالعادة، تنعكس على الحجر الرملي بلون ذهبي جميل، لكن داخل الجدران الجو كان مكهرب. الهواء نفسه ثقيل، وكأن الليل ترك وراءه بقايا توتر ما انمسح.
ولا أحد نام زين.
الممرات كانت هادئة زيادة عن اللزوم، وكل واحد يتحرك وهو غارق في أفكاره.
سؤال واحد يتكرر في العقول:
مين عبدالله؟
وليش اسمه مرتبط بالأرض… وبفهد؟
ديم كانت جالسة خلف مكتبها، لابسة بدلتها العملية الرمادية، شعرها مرفوع بإحكام، ونظراتها حادة ومركزة.
قدامها أوراق فهد… والرسالة اللي لقتها وسن في الأرشيف.
فتحت جهازها، قارنت التواقيع بسجلات قديمة محفوظة عندها، شاشة الكمبيوتر تعكس ضوء بارد على ملامحها الجادة.
دخل سراج بدون ما يدق الباب.
وقف قدام المكتب مباشرة.
"وش عندك؟"
رفعت عينها له بثبات:
"الموضوع أعقد مما توقعت."
حط يده على طرف المكتب، صوته منخفض لكنه حازم:
"تكلمي."
أخذت نفس عميق.
"المستندات حقيقية بنسبة كبيرة. التواقيع متطابقة مع سجلات رسمية محفوظة قبل أربعين سنة تقريبًا. الأختام أصلية… أو مستخرجة من نفس المصدر."
سراج ضيق عيونه:
"احتمال وش؟"
قالت ببطء:
"إن جزء من الأرض ما انتقل رسميًا مثل ما انقال لنا."
الصمت اللي تلا كلامها كان ثقيل جدًا.
كأن الأرض نفسها اهتزت تحتهم.
دخل كنان بهدوء، واضح إنه سمع الجزء الأخير.
"يعني ممكن نكون نبني على أرض مو لنا بالكامل؟"
ديم ردت بثبات:
"لو الأوراق هذي تثبت بالمحكمة… إيه."
سراج سحب الكرسي وجلس لأول مرة.
"كم النسبة؟"
"تقريبًا… ثلث المساحة الأساسية."
الرقم كان صدمة.
ديم وقفت، مشت حول الطاولة بخطوات محسوبة.
"لازم نتحرك بسرعة قبل ما الموضوع يكبر."
رفعت ثلاثة أصابع:
"١- نراجع أرشيف الدولة رسميًا ونطلب نسخة أصلية من أي وصايا أو تحويلات ملكية قديمة.
٢- نجمّد أي توسعة جديدة بالمشروع مؤقتًا — بدون إعلان رسمي.
٣- نطلب اجتماع قانوني مباشر مع فهد بحضور مستشار خارجي."
دخل ريان فجأة، واضح إنه سمع آخر جملة.
"نجمد المشروع؟! مستحيل."
ديم التفت له بثقة كاملة:
"المستحيل إننا نستمر ونخاطر بقضية توقف كل شي بعدين."
ريان اقترب خطوة، صوته ارتفع:
"وأنتِ تبين نعطيه إحساس إنه مسيطر؟"
ردت ببرود أعصاب:
"أنا أبي نكون إحنا اللي مسيطرين… بالقانون."
النظرات بينهم اشتعلت.
سراج تدخل بصوت قاطع:
"خلاص. نمشي على خطة ديم."
ريان لف وجهه بعيد، شد فكه بضيق واضح.
كنان كان يراقب بصمت… لكن عينه كانت تتابع أخوه أكثر من أي أحد.
في نفس اليوم، تم تحديد اجتماع رسمي في مقر الشركة.
القاعة الزجاجية الكبيرة تعكس صورة المدينة خلفهم، لكن التوتر داخلها كان أقوى من أي منظر خارجي.
فهد دخل بثقة كعادته، خطواته ثابتة، بدلته داكنة، ونظرته باردة.
جلس بدون أي توتر.
ريان بدأ الكلام مباشرة:
"خلنا نختصر. وش تبي بالضبط؟"
فهد ابتسم بهدوء:
"أبي حقي."
كنان سأله بنبرة رسمية:
"وحقك هذا… ليه ما طالبت فيه قبل؟"
فهد نظر له مباشرة، نظرة طويلة وكأنه يقيس ردة فعله.
"لأن اللي كان ماسك الموضوع قبل… كان يعرف الحقيقة."
سراج قال ببرود واضح:
"تقصد مين؟"
فهد جاوب بدون تردد:
"عبدالله."
الاسم سقط عليهم مثل صدمة كهربائية.
وسن، اللي كانت جالسة ساكتة، تجمدت.
نفس الاسم.
نفس الاسم اللي في الرسالة.
ريان ضرب الطاولة بخفة:
"لا تجيب طاري أسماء بدون دليل."
فهد ما اهتز:
"عندي أدلة أكثر مما تتخيل."
ديم تدخلت بهدوء قانوني بارد:
"إحنا بدأنا مراجعة رسمية لكل المستندات. وأي ادعاء لازم يمر بالقنوات القانونية."
فهد ابتسم لها باحترام خفيف:
"وأنا ما عندي مشكلة بالقانون."
لكن عيونه… كانت تقول شي ثاني.
كانت تقول إنه يعرف أكثر مما يصرّح به.
في مكتبها، مشاعل كانت تتابع تسجيل الاجتماع الداخلي.
اسم عبدالله تكرر أكثر من مرة.
ابتسمت.
"أخيرًا… انفتح الباب."
مسكت جوالها واتصلت بشخص مجهول.
"المرحلة الأولى بدأت. التوتر واضح بينهم."
سكتت لحظة تستمع.
ثم قالت بنبرة أخف:
"إيه… التوأم تحديدًا."
أغلقت الخط.
فتحت بريد إلكتروني قديم محفوظ باسم:
"ملف العائلة – سري."
نظرت لصورة مرفقة فيه… صورة قديمة باهتة لرجل شاب يقف بجانب مؤسس العائلة.
ابتسامتها صارت أعمق.
بعد الاجتماع، خرج ريان غاضب، خطواته سريعة في الممر الطويل.
كنان لحقه.
"وش فيك؟"
ريان لف له بسرعة:
"ما عجبني أسلوبك."
"وش سويت؟"
"كنت هادي زيادة! كأنك مصدق كلامه."
كنان شد صوته لأول مرة:
"وأنت مندفع زيادة! الموضوع مو عضلات يا ريان!"
الصمت بينهم صار ثقيل.
ريان قال بصوت منخفض، أقرب للغضب المكبوت:
"لو طلع في شي مخفي… أنا ما راح أسكت. حتى لو كان من العائلة."
كنان نظر له بعمق:
"ولا أنا."
لكن الفرق بينهم كان واضح.
كنان يبحث عن الحقيقة.
ريان يخاف منها.
والمسافة بينهم… تكبر شوي شوي.
في الليل…
ديم كانت تراجع ملف رسمي وصلها من جهة حكومية.
ملف رقمي يحتوي على نسخ أرشيفية قديمة.
وقفت فجأة.
اسم مكرر في أكثر من مستند:
عبدالله بن —
(اللقب مطابق للقب العائلة)
مو مجرد اسم عابر.
اسم مرتبط بتحويل ملكية… وبوصية غير معلنة.
قبل ما تكمل القراءة…
انقطع النور للحظة.
الظلام ملأ الغرفة.
جوالها اهتز.
رسالة جديدة:
"بعض القضايا لو انفتحت… ما تتسكر."
رفعت رأسها ببطء.
الكهرباء رجعت.
لكن الشعور بالأمان… ما رجع.
وفي مكان بعيد عن القصر…
فهد كان واقف قدام صورة قديمة مؤطرة.
الصورة لرجل شاب… يشبه التوأم بشكل مخيف.
ابتسم بخفة، وقال:
"قريبًا… بتعرفون الحقيقة كاملة."
والعاصفة…
بدأت تاخذ شكل أخطر بكثير.