الفصل الثالث
نزل الليل على القصر بهدوء ثقيل، لكن الهدوء هذا ما كان مريح.
كان أشبه بسكون يسبق العاصفة… صمت يضغط على الصدر بدل ما يريحه. الريح الصحراوية كانت تمر بين جدران القصر العتيقة، تصدر صفيرًا خافتًا يشبه همسات بعيدة، وكأن المكان نفسه يحاول يحذرهم.
الأضواء داخل القصر كانت خافتة، والممرات الطويلة بدت أوسع من المعتاد، وأبرد. حتى العاملين في القصر كانوا يتحركون بصمت غير مألوف، كأنهم يشعرون أن شيئًا تغير في الجو.
كل واحد في العيلة كان مشغول بطريقته… لكن نفس السؤال كان يدور في بالهم جميعًا:
مين فهد؟
وكيف له علاقة بالأرض؟
في مكتب العائلة، كانت ديم جالسة قدام طاولة مليانة أوراق وملفات قديمة وحديثة. المصباح الجانبي يلقي نورًا أصفر خافتًا على وجهها الجاد، يبرز تركيزها الحاد.
كانت تقرأ بسرعة، تقلب الصفحات بدقة، قلمها يتحرك بين حين وآخر يسجل ملاحظات صغيرة على الهامش.
دخل كنان بهدوء، خطواته ما كان لها صوت تقريبًا. وقف لحظة يراقبها قبل ما يضع الظرف البني أمامها.
قال بصوت منخفض:
"أبيك تراجعينها."
رفعت نظرها له مباشرة:
"مستندات الرجل؟"
"إيه."
فتحت الظرف ببطء، وسحبت الأوراق، بدأت تقلبها صفحة صفحة. كل ما قرأت أكثر… انعقد حاجبها أكثر، وتركزت نظراتها بشكل أعمق.
مرت دقائق طويلة قبل ما تتكلم.
"هذي مو مزورة بسهولة…" قالتها ببطء.
كنان ظل واقفًا، يراقب رد فعلها بدون تعليق.
ديم كملت وهي تدقق في الأختام:
"التواريخ قديمة جدًا… والأختام أصلية، أو قريبة جدًا من الأصل لدرجة صعب تمييزها."
كنان سأل بهدوء:
"يعني ممكن تكون صحيحة؟"
ديم ما جاوبت مباشرة. بقيت تحدق في الأوراق، ثم قالت بنبرة جادة:
"لو كانت صحيحة… فالقصة أكبر من مجرد ملكية أرض."
صمت ثقيل ملأ الغرفة.
كنان جلس أخيرًا على الكرسي المقابل، وقال بصوت خافت:
"كم أكبر؟"
ديم رفعت عيونها له:
"لدرجة إن تاريخ العائلة نفسه ممكن يكون مختلف عن اللي نعرفه."
الكلمات سقطت ببطء… لكنها تركت أثرًا عميقًا.
في الجهة الأخرى من القصر، كانت وسن في غرفة الأرشيف القديمة.
المكان مهجور تقريبًا، مليان غبار وملفات ما أحد لمسها من سنين. رفوف خشبية عالية، وصناديق متراكمة، ورائحة الورق القديم كانت ثقيلة لدرجة تخنق.
المصباح الوحيد في السقف كان يضوي ويخفت أحيانًا، يزيد شعور القلق.
كانت تبحث عن ملفات مشروع قديم طلبها كنان، لكنها شعرت بشيء غريب… إحساس إن المكان يراقبها.
فتحت درجًا خشبيًا قديمًا، فعلق بصرها بصندوق صغير مخفي خلف مجموعة ملفات مهملة.
ترددت لحظة.
ثم مدّت يدها وفتحته.
داخل الصندوق كانت أوراق صفراء جدًا، شبه مهترئة، ورسالة قديمة مختومة بالشمع.
وسن همست:
"وش هذا…؟"
فتحت الرسالة بحذر، الورق كان هشًا كأنه ممكن يتفتت بين أصابعها. خط اليد كان قديمًا، الكلمات باهتة… لكن جملة واحدة كانت واضحة بشكل مخيف:
"الملكية تُقسم حسب الوصية… وليس كما أُعلن."
قلبها دق بقوة.
بدأت تقلب الأوراق بسرعة — خرائط قديمة للأرض، حدود مختلفة، أسماء وتوقيعات.
ثم تجمدت.
اسم واحد كان مألوفًا جدًا.
عبدالله.
شهقت بخفوت.
"مين عبدالله…؟"
شعور بارد تسلل داخلها، كأنها فتحت بابًا ما كان المفروض ينفتح.
وفجأة…
سمعت صوت خطوات خلفها.
استدارت بسرعة.
ما كان فيه أحد.
لكن إحساس المراقبة ظل قويًا، ثقيلًا، حقيقيًا.
أطفئ المصباح للحظة… ثم عاد.
وسن أغلقت الصندوق بسرعة وخرجت.
دخلت المجلس بسرعة وهي تدور على سراج.
"سراج…"
رفع نظره لها فورًا، لاحظ ارتجاف صوتها.
"وش فيك؟"
ناولته الورقة بيد ترتجف:
"لقيت هذي بالأرشيف."
أخذها وقرأها ببطء شديد. ملامحه بقيت جامدة، لكن عيونه صارت أعمق، وأكثر حذرًا.
"وين لقيتيها؟"
"مخفية… كأن أحد ما يبي أحد يشوفها."
جلس سراج بهدوء، أصابعه متشابكة، غارق في التفكير.
وسن قالت بصوت خافت:
"في شي غلط… أحس الأرض تخبّي شي أكبر."
نظر لها بثبات وقال:
"أحيانًا الماضي يرجع… حتى لو حاولنا ندفنه."
الكلام ما طمّنها.
زاد خوفها.
في الحديقة الخلفية، كان ريان واقف بعصبية، يضرب الأرض بحذائه، يتحرك ذهابًا وإيابًا كأنه أسير أفكاره.
وصل كنان ووقف أمامه.
ريان قال مباشرة:
"أنا مو مرتاح للموضوع كله."
كنان رد بهدوء:
"ولا أنا."
ريان هز رأسه بانفعال:
"لا… مو نفس الشي. أنت هادي كأن ما صار شي!"
كنان نظر له بثبات:
"الصراخ ما يحل شي."
ريان اقترب خطوة:
"بس التجاهل بعد ما يحله!"
الهواء بينهم صار مشحونًا.
كنان قال بهدوء بارد:
"وش تبي تسوي؟ تطرده؟"
ريان رد بسرعة:
"إيه لو احتجنا."
كنان هز رأسه:
"الموضوع قانوني… مو استعراض قوة."
ريان ضحك بسخرية:
"دائمًا كذا… تحب تتحكم بكل شي."
النظرات بينهم كانت حادة جدًا.
ولأول مرة… المسافة بين التوأم بدت واضحة، مو بس جسديًا… بل نفسيًا.
من الشرفة، كانت مشاعل تراقبهم.
ابتسمت بخفة، وعيناها تلمعان بمتعة غريبة.
"التوتر بينهم… أحلى من أي خطة."
أخرجت جهازها اللوحي، تراجع أخبار السوق والمشروع، ثم كتبت ملاحظة:
"انقسام داخلي = فرصة."
أغلقت الجهاز وابتسامتها اتسعت.
واضح أنها تعرف أكثر مما تقول.
في منتصف الليل…
وسن ما قدرت تنام.
كانت جالسة على سريرها، الغرفة مظلمة إلا من ضوء القمر المتسلل من النافذة. تمسك الورقة القديمة، تقرأ الاسم مرارًا.
عبدالله.
الاسم كان يطاردها.
فجأة…
وصلت رسالة على جوالها من رقم مجهول.
فتحتها.
"لا تبحثين أكثر… بعض الجذور لو انكشفت تدمر كل شي."
شهقت بخوف.
رفعت رأسها ببطء.
النافذة كانت مفتوحة… الستارة تتحرك مع الهواء البارد.
وكأن أحد كان واقفًا هناك قبل لحظات.
اقتربت ببطء، نظرت للخارج… الظلام فقط.
لكن إحساس الخطر بقي.
العاصفة ما كانت بس حول الأرض…
كانت تدخل حياتهم واحدًا واحدًا.
والأسرار المدفونة تحت الرمال…
بدأت تتحرك.