الفصل الثاني
صوت السيارة كان عالي بشكل يخترق السكون، مو مجرد صوت محرك… بل كأنه إعلان عن شيء مو طبيعي. هديرها كان يتردد بين الكثبان، يضرب جدران القصر الحجرية ويرجع كصدى ثقيل يزرع التوتر في المكان.
توقفت السيارة عند بوابة القصر الحديدية الضخمة، فارتفع الغبار حولها ببطء، يلتف في الهواء مثل ستار غامض يخفي ما وراءه. الريح الصحراوية حملت ذرات الرمل، والجو كله صار كأنه مشهد ينتظر حدثًا مصيريًا.
الكل وقف يراقب.
سراج نزل من الشرفة بخطوات ثابتة ومدروسة، حضوره وحده كان كافي يفرض هيبة في المكان. ملامحه جامدة، لكن عيونه كانت تراقب كل تفصيلة، كل حركة، كأنه يحاول يقرأ ما سيحدث قبل ما يحدث.
كنان وقف بجانبه بهدوءه المعتاد، ظهره مستقيم ونظراته ثابتة، لكن يده كانت مشدودة قليلًا — علامة ما يعرفها إلا اللي يراقبه زين.
أما ريان، فتقدم خطوة للأمام بدون تفكير، كعادته ما يحب الانتظار ولا الغموض. حرك كتفيه بتوتر، وعينه ما فارقت السيارة.
وسن وقفت خلفهم، تحاول تبين هادئة، لكن قلبها كان يدق بسرعة غريبة، إحساس غير مفسّر يضغط صدرها.
مشاعل كانت أبعد شوي… واقفة تحت ظل الممر الحجري، تراقب المشهد كله بابتسامة خفيفة، كأنها تستمتع بلحظة كانت تنتظرها من زمان.
صدرت طقة معدنية ثقيلة.
البوابة الحديدية بدأت تنفتح ببطء، صوت احتكاكها بالأرض زاد التوتر في المكان. كل ثانية كانت تمر كأنها أطول من اللي قبلها.
السيارة تقدمت قليلًا… ثم توقفت.
فتح الباب.
نزل الرجل.
كان في منتصف الأربعين تقريبًا، طويل القامة، لابس بدلة داكنة أنيقة مفصلة بعناية. خطواته هادئة لكنها واثقة، ملامحه جامدة بشكل غريب، ونظرته باردة كأنها خالية من أي شعور بشري.
وقف قدامهم بثقة… وكأنه صاحب المكان، مو ضيف عليه.
ريان عقد حواجبه وقال بحدّة:
"خير؟ وش تبي؟"
الرجل ما رد مباشرة. رفع نظره حوله أول، يتأمل القصر، الأرض، الأشجار، وكأنه يقيّم شيء يخصه شخصيًا. بعد لحظة قال بصوت هادي لكنه حاد:
"أنا جاي أقابل المسؤول عن المشروع."
سراج تقدم خطوة للأمام، صوته ثابت:
"أنا سراج. وش الموضوع؟"
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة ما وصلت لعينيه.
"الموضوع… يخص الأرض."
سادت لحظة صمت ثقيلة، كأن الهواء توقف.
كنان شد يده على الملف اللي كان ماسكه وقال بهدوء حذر:
"أي أرض؟"
الرجل التفت له مباشرة… نظرة طويلة كأنه يعرفه من قبل.
"الأرض اللي تبنون عليها مشروعكم الجديد."
ريان ضحك بسخرية، يحاول يكسر التوتر:
"طيب؟ الأرض ملك العائلة من سنين طويلة."
رد الرجل بهدوء شديد:
"مو بالكامل."
الجملة سقطت بينهم مثل حجر في ماء راكد.
وسن شعرت بقشعريرة تسري في جسدها بدون سبب واضح.
سراج ضيق عيونه:
"وش تقصد؟"
الرجل فتح حقيبته الجلدية ببطء، وأخرج ظرفًا بنيًا قديمًا. رفعه قليلًا وقال:
"عندي مستندات تثبت ملكية جزئية… وودي أناقشها معكم."
داخل المجلس
جلسوا في المجلس الكبير.
السقف العالي والثريات الفاخرة ما قدرت تخفف التوتر اللي يملأ المكان. الصمت كان ثقيل، والجو مشحون بشيء غير مريح.
القهوة العربية انصبت في الفناجيل، لكن ولا أحد لمسها.
سراج جلس بثبات على رأس المجلس، حضوره قوي وصامت.
كنان بجانبه يراقب الرجل بعين تحليلية ثابتة.
ريان متكئ للخلف، يحاول يظهر مرتاح لكنه يضغط أصابعه بعصبية.
وسن جالسة بهدوء تراقب الجميع، عيناها تتحرك بين الوجوه والظرف.
أما مشاعل… فكانت واقفة عند الباب، تتابع المشهد كله بابتسامة غامضة.
الرجل وضع الظرف على الطاولة ببطء.
"اسمي فهد." قالها ببساطة.
ريان رد بسرعة:
"طيب يا فهد… وش تبي بالضبط؟ فلوس؟ شراكة؟ ولا بس جاي تضيّع وقتنا؟"
سراج رمى على ريان نظرة تحذير خفيفة:
"خلّه يكمل."
فهد فتح الظرف وأخرج أوراقًا قديمة، لونها مائل للاصفرار، مختومة بأختام باهتة.
"هذي مستندات ملكية تعود لسنوات طويلة… قبل ما تنتقل الأرض بالكامل لعائلتكم."
كنان مد يده بهدوء وأخذ الأوراق. بدأ يراجعها بدقة شديدة، يقلب الصفحات ببطء، يقرأ كل كلمة وكأنها لغز.
ملامحه ما تغيّرت… لكن عيونه صارت أعمق.
"هالأختام قديمة…" قال بهدوء.
فهد رد فورًا:
"صحيحة."
وسن همست بدون وعي:
"مستحيل…"
فهد التفت لها مباشرة. نظرته كانت غريبة… مطولة… كأنه يعرفها، أو يعرف شيء عنها.
"بالعكس… ممكن جدًا."
وسن توترت تحت نظرته، ونزلت عيونها للأرض.
بعد لحظات من الصمت، ريان مال على كنان وهمس بصوت منخفض:
"وش رايك؟ تمثيل؟"
كنان رد بدون ما يرفع عينه من الأوراق:
"ما أدري… بس الموضوع مو بسيط."
ريان تنهد بانزعاج:
"أنا أشوف نخلص منه بسرعة."
كنان رفع عينه له لأول مرة، نظرته هادئة لكنها حادة:
"مو كل شي ينحل بالسرعة يا ريان."
ريان شد فكه:
"ولا كل شي يحتاج تعقيد."
النظرات بينهم كانت صامتة… لكن مليانة توتر قديم، شيء أعمق من مجرد خلاف رأي.
سراج لاحظ التوتر بينهم، لكنه اختار الصمت.
عند الباب، مشاعل كانت تراقب كل تفصيلة.
عيونها تلمع، وابتسامتها الصغيرة ما اختفت. كأنها ترى مشهدًا كانت تتوقعه من زمان.
همست لنفسها بهدوء:
"أخيرًا… اللعبة بدأت."
أخرجت جوالها بحركة خفية، كتبت رسالة قصيرة لشخص مجهول:
"وصل."
أرسلتها، ثم رفعت رأسها كأن شيئًا لم يحدث.
كلمات تزرع الشك
فهد وقف استعدادًا للمغادرة، حرك بدلته بهدوء.
"أنا ما جاي أسبب مشاكل… جاي أطالب بحقي."
سراج سأله ببرود واضح:
"وليش الحين؟ بعد كل هالسنين؟"
فهد توقف عند الباب، التفت لهم ببطء، وقال جملة واحدة فقط:
"لأن الوقت المناسب وصل."
صوته كان هادي… لكنه ترك أثرًا ثقيلًا في القلوب.
ثم خرج.
عاد الصمت يملأ المجلس.
الهواء صار أثقل من قبل.
كنان ما زال ممسك بالمستندات، غارق في التفكير.
ريان يراقب الباب بعصبية واضحة.
سراج واقف يفكر بعمق، نظراته بعيدة كأنه يحاول يربط أحداث ما يعرفها غيره.
وسن شعرت بخوف غريب داخلها… خوف بدون تفسير، كأن قلبها يحذرها من شيء قادم.
أما مشاعل… فكانت ما تزال تبتسم.
وبينما غادر فهد المكان، ما كان أحد منهم يعرف إن وجوده ما هو مجرد مطالبة ملكية…
بل بداية كشف أسرار مدفونة تحت الرمال منذ سنوات طويلة.
والعاصفة…
توها تبدأ.