امرأة خارج التاريخ - الفصل التاسع: الذي منحتني قلبًا - بقلم اشرف مغليفي | روايتك

اسم الرواية: امرأة خارج التاريخ
المؤلف / الكاتب: اشرف مغليفي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل التاسع: الذي منحتني قلبًا

الفصل التاسع: الذي منحتني قلبًا

بعد تلك المدينة التي احترقت في صدري، هربت من الشمال البارد كما يهرب الجرح من الملح. سرتُ سنواتٍ طويلة، غيّرتُ اسمي أكثر من مرة، وتعلمت أن أمشي بخفة بين الأزمنة، حتى وصلت إلى زمنٍ كان أكثر رحمةً بي من غيره… زمنٍ لم يكن خاليًا من الصراع، لكنه كان ممتلئًا بالمعنى. كان ذلك أبعد من القرن الحادي عشر، في مدينةٍ شرقيةٍ تتلألأ ليلًا كأنها نجمةٌ هبطت إلى الأرض. مدينة كانت تُفتح أبوابها للعلم كما تُفتح للنور، وكانت الكتب فيها تُنسخ بحبٍّ لا بخوف. هناك، لأول مرة منذ قرون، لم أشعر أنني أختبئ… بل أنني أتعلم. دخلت المدينة باسمٍ جديد، ووجهٍ لم يتغير منذ أجيال. كنت أعرف أن ثبات ملامحي قد يثير الريبة، لكن في تلك المدينة كان الناس منشغلين بما هو أعظم من وجهي: كانوا منشغلين بالفكر. عملت في بيتٍ للكتب، أرتب المخطوطات، أترجم ما استطعت، وأجلس في أطراف المجالس أستمع. لم أكن أتكلم كثيرًا، لكنني كنت أراقب. وهناك رأيته. لم يكن عالمًا مشهورًا، ولا قائدًا، ولا صاحب منصب. كان رجلًا بسيط الملبس، واضح النظرة، يدخل المجلس فيسلّم على الكبير والصغير بنفس الصوت، ويجلس حيث ينتهي به المكان لا حيث يرفعه الناس. رأيته مرةً يعيد مالًا سقط من أحدهم دون أن يلتفت أحد، ومرةً يواسي شابًا خسر والده، بكلمات قليلة لكنها صادقة، لا فيها تصنّع ولا تعالٍ. لم أعرف اسمه في البداية. لكنني عرفت خلقه. وكنت قد عشت قرونًا كافية لأميز بين من يتظاهر بالخير… ومن يسكنه الخير فعلًا. مرت أيام، ثم أسابيع، وصرنا نتبادل الحديث في أطراف المجلس. كان يسألني عن الكتب التي أقرأها، وأجيبه بحذر، أختبر عمق عقله كما يختبر المرء صلابة أرضٍ سيبني عليها. وذات مساء، حين كان المجلس قد انفضّ، وبقي الضوء خافتًا بين الرفوف، قال لي بهدوء: "كأنكِ تحملين زمنًا أطول من أعمارنا جميعًا." تجمّدت للحظة. لم تكن جملة عابرة. كانت نظرةً تخترق. ابتسمت محاوِلةً أن أبدد حدّتها، لكنه لم يبتسم. كان ينتظر جوابًا لا أستطيع أن أعطيه… ولا أستطيع أن أهرب منه. لا أعرف ما الذي جعلني أثق به. ربما لأنني رأيت فيه عدلًا لا يتبدل بتبدل الظروف. ربما لأنني، لأول مرة منذ قرون، شعرت بأنني لا أُحاكم وأنا أتكلم. في تلك الليلة، مشينا في فناء الدار تحت سماءٍ صافية. كان القمر معلقًا فوقنا كعينٍ بيضاء صامتة. قلت له، بصوتٍ لم أستخدمه من قبل مع أحد: "أنا لا أكبر." لم يضحك. لم يتراجع. لم يتهمني بالجنون. فقط نظر إليّ طويلًا، ثم قال بهدوءٍ غريب: "وكم عمر حزنك إذن؟" تلك الجملة كسرت شيئًا في داخلي. حكيت له. لم أحكِ كل شيء، لكنني فتحت له بابًا لم أفتحه لأحد من قبل. أخبرته عن المدن التي سقطت، عن الوجوه التي أحببتها ودفنتها، عن النار التي التهمت امرأةً بريئة بينما وقفتُ عاجزة. أخبرته عن خوفي من أن أقترب من البشر أكثر مما ينبغي، لأنني سأبقى… وهم سيذهبون. كان يسمعني دون أن يقاطع. وحين انتهيت، لم يقل إنني ملعونة، ولم يقل إنني آية، ولم يحاول أن يفسرني. قال فقط: "إن كان الله قد أطال عمركِ، فليس ليعذبكِ به، بل ليحمّلكِ أمانة." سكتُّ. لم أكن معتادة أن يُنظر إلى خلودي كأمانة. أضاف بصوتٍ أكثر لطفًا: "لكن الأمانة لا تُحمل بالصراخ. لا تخبري الناس. البشر يخافون ما لا يفهمون. وسيؤذونكِ… لا لأنكِ شر، بل لأنهم ضعفاء." ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: "احفظي سرّكِ، واصنعي به خيرًا ما استطعتِ. ولا تسمحي لحزنك أن يقنعكِ أنكِ وحدكِ." كانت تلك المرة الوحيدة في حياتي الطويلة التي شعرت فيها أن أحدًا رآني… لا كمعجزة، ولا كخطر، بل كإنسانة. عشت في تلك المدينة سنوات كانت الأهدأ في عمري كله. لم أحبّه كما أحببت من قبل بشغفٍ أعمى، بل أحببته بهدوءٍ عاقل، كمن يعرف أن كل شيء زائل، لكنه يختار أن يعيش اللحظة دون خوف. وعندما بدأ الشيب يزحف إلى لحيته، عرفت أن الساعة تقترب. لم أبكِ أمامه. لكنه، قبل أن يرحل بأيام، أمسك يدي وقال: "لا تندمي على طول عمركِ… اجعليه طريقًا." ومنذ ذلك اليوم، كلما ثقل عليّ الزمن، أتذكر صوته. لم يكن أجمل رجل عرفته. لكنه كان… أفضل حياة عشتها. وربما لهذا، كلما وقفتُ أمام طلابي اليوم، أختار كلماتي بعناية، وأحاول أن أكون عادلة، صبورة، رحيمة… لأن رجلًا منذ قرون قال لي مرةً إن الخلود أمانة. وأنا، رغم كل شيء، ما زلت أحاول أن أكون أهلًا لها.