الفصل الثامن: ذكرى ثقيلة
لم يكن القرن الحادي عشر بالنسبة لي زمن خطبٍ وحملاتٍ فقط، بل كان وجهًا واحدًا… وجهًا لا يغادرني مهما حاولت أن أدفنه تحت طبقات القرون.
كنت أعيش آنذاك في مدينة محاطة بسور حجري عالٍ، مدينةٍ تؤمن أن الجدران تحميها من العالم، لكنها لم تكن تعرف أن الخطر أحيانًا يولد من داخلها. كنت أعمل في دار صغيرة لنسخ المخطوطات، أبدو شابة هادئة لا تلفت الانتباه، وأخفي خلف صمتي عمرًا لا يُقاس.
في تلك المدينة تعلّمت شيئًا لم أتعلمه قبلها رغم طول حياتي: أن الخوف حين يمتزج بالإيمان، يتحول إلى نار لا يمكن إخمادها.
بدأ الأمر بشائعة.
همسة صغيرة عن امرأة تعالج الأطفال بالأعشاب. قالوا إنها تشفي بسرعة غير طبيعية. قالوا إن عينيها غريبتان. قالوا إنها لا تكبر.
كنت أعرف تلك الهمسات جيدًا.
لأنها قيلت عني من قبل… في مدن أخرى… في عصور أخرى.
لكنني كنت حذرة هناك. كنت أختبئ في الظل، أختار كلماتي، أراقب وجهي في انعكاس الماء لأتأكد أنه لم يخنني.
غير أنني أخطأت مرة واحدة.
كان هناك طفل مريض… ابن نجار بسيط، جسده يحترق بحمى لم يستطع أحد فهمها. رأيت أمه تبكي عند باب الكنيسة، ورأيت في عينيها ذلك اليأس الذي أعرفه جيدًا. لم أحتمل.
دخلت بيتهم ليلًا.
وضعت يدي على جبينه.
كنت أعرف أنني أستطيع أن أنقل عنه الألم، أن أختصر أيامًا من المعاناة في ساعة واحدة. فعلت ذلك عشرات المرات في حياتي، ونجحت دائمًا.
نجح الأمر تلك الليلة أيضًا.
انخفضت حرارته، وعاد تنفسه طبيعيًا، وفتحت عيناه في الصباح كأن شيئًا لم يكن.
لكن المدينة لا تحب المعجزات الصغيرة.
المدينة تخافها.
في اليوم التالي بدأوا يتهامسون.
وفي اليوم الذي يليه، تحوّلت الهمسات إلى نظرات.
وفي الأسبوع نفسه، اجتمع الرجال في الساحة.
لم يكن هناك دليل. لم يكن هناك شاهد. لم يكن هناك شيء سوى خوفهم… وخوفي أنا.
أذكر تلك الليلة جيدًا.
كان الهواء ثقيلاً كأن السماء تضغط على الأرض. خرجت من داري بعد أن سمعت طرقًا عنيفًا على الأبواب المجاورة، وصراخًا، وبكاءً. لم يأتوا إليّ أولًا.
ذهبوا إلى امرأة أخرى.
امرأة مسنة كانت تعيش وحدها، تعالج الناس بالأعشاب منذ ثلاثين عامًا. كانت أبطأ مني في الهروب… وأقل حذرًا.
أمسكوها من شعرها في الساحة.
اتهموها بالسحر.
لم تدافع عن نفسها.
فقط نظرت إليّ.
نعم… نظرت إليّ مباشرة وسط الحشد، كأنها كانت تعرف. كأنها كانت تقول لي دون كلمات: "أنتِ التالية."
وقفت هناك، بين الناس، أضمّ معطفي إلى صدري وأشعر بشيء ينكسر في داخلي. كنت أستطيع التدخل. كنت أستطيع أن أقتلهم جميعًا لو أردت. جسدي لا يموت، وجراحي تلتئم، وخوفي لم يعد يشبه خوفهم.
لكنني لم أفعل.
تركتهم.
تركتهم يقيمون محكمتهم الهزلية، يصرخون، يصلّون، ويشعلون النار.
رأيت اللهب يلتهم أطراف ثوبها أولًا.
ورأيت الدخان يرتفع ببطء إلى السماء.
ورأيت في عيونهم راحةً مريضة، راحة من يظن أنه طهّر مدينته.
في تلك اللحظة فهمت شيئًا لم أفهمه من قبل رغم كل القرون التي عشتها: الخلود لا يجعلك أقوى… بل يجعلك شاهدًا أبديًا على ضعف البشر.
هربت تلك الليلة.
لم أنتظر حتى يأتوا إليّ.
سرت خارج الأسوار قبل الفجر، ولم ألتفت خلفي، لكن رائحة الدخان لحقت بي مسافات طويلة. حتى اليوم، أحيانًا، عندما يشتد الصمت حولي، أشمّها فجأة.
ليست رائحة نار.
بل رائحة عجز.
ذلك الحدث ظلّ ثقيلاً في صدري لقرون. ليس لأنني خفت على نفسي، بل لأنني للمرة الأولى اخترت النجاة بدل المواجهة. اخترت أن أعيش… بينما ماتت هي.
ومنذ ذلك اليوم، بدأت أتجنب أن أُظهر قدرتي أمام أحد.
بدأت أتعلم كيف أكون أقل من معجزة.
وكيف أبدو… عادية.
ربما لهذا أصبحت أستاذة تاريخ في هذا الزمن.
أروي الحكايات بدل أن أكون أنا الحكاية.
لكن بعض المدن لا تحترق في الخارج فقط.
بعضها يظل مشتعلاً… في صدرك إلى الأبد.