مقدمة والفصل الأول: حين يخفق الرصاص
🖤🩸✨قلب من رصاص وطفلة من نور
بقلم✍️: خلود رائد صالح
🖤مقدمة الرواية
في هذا العالم، لا يولد الجميع متساوين.
بعضهم يولد تحت شمس دافئة، وبعضهم يولد…
تحت سقفٍ تقطر منه الدماء.
لوسيان لم يُخلق شريرًا، لكنه اختار الشر حين اكتشف أن الرحمة لا تحمي، وأن الخوف هو اللغة الوحيدة التي يفهمها البشر.
كبر وهو يدفن أعداءه، ثم كبر أكثر وهو يدفن مشاعره معهم.
كان قلبه قطعة رصاص صلبة، لا يخفق إلا على إيقاع الطلقات،
ولا يلين إلا حين تُغلق آخر حفرة على جثة جديدة.
الإمبراطورية التي بناها لم تُشيد بالحجارة، بل بالأجساد، بالخيانة، وبأسماءٍ مُسحت من الوجود.
ثم…
وُلدت هي.
لم تصرخ كما يفعل الأطفال.
فتحت عينيها فقط، وكأنها تنظر مباشرةً إلى روحه، إلى ذلك المكان الذي نسي أنه موجود.
ملاك.
اسم لا يليق برجل مثله، ولا بقصرٍ تحرسه الأسلحة، ولا بعالمٍ تُحل فيه المشاكل بالرصاص.
حملها للمرة الأولى ويداه ما زالتا ملطختين بالدم،
لكنها لم تبكِ.
كأنها لم ترَ الوحش، بل رأت الرجل الذي نسيه الجميع…
حتى هو.
منذ تلك اللحظة، تغيّر كل شيء…
وتحوّل كل شيء إلى خطر.
لم يعد يخاف على نفسه.
لم يعد يخشى السقوط.
لكنه صار يخاف من الهواء الذي يلامسها، من العيون التي قد تراها، من العالم إن تجرأ واقترب خطوة واحدة منها.
لم يسمح لها أن تنزل إلى الأرض.
الأرض ملوثة…
والسماء وحدها تليق بها.
فحملها.
يومًا بعد يوم، سنة بعد سنة، كأن جسده هو السور الأخير بينها وبين الجحيم.
وخارج ذراعيه، كانت الخيانات تتكاثر.
رجال يبتسمون له وهم يخططون لطعنه.
حلفاء ينتظرون لحظة ضعفه.
وأعداء يعرفون جيدًا أن الإمبراطور لا يُكسر من عرشه…
بل من قلبه.
وملاك كانت قلبه.
نورًا صغيرًا وسط ظلامٍ لا نهاية له.
كبرت وهي لا تعرف الشوارع، لكنها تعرف صوت السلاح.
لا تعرف اللعب، لكنها تفهم الصمت الثقيل قبل الموت.
كانت تسمع همسات الخوف، وترى في عيون الرجال شيئًا لا يشبه والدها…
شيئًا يشبه الرعب.
ومع كل يوم، كانت تسأل نفسها دون أن تنطق:
لماذا يحميني الجميع منه…
وهو من يقتل الجميع لأجلي؟.
هذه ليست قصة حب عادي.
ولا حكاية أب وابنته كما تُروى للناس.
هذه قصة
قلب من رصاص وقع في فخ طفلة من نور وقصة نورٍ واحد…
قد يخلّص الوحش، أو يحرق العالم كله.
🖤الفصل الأول: حين يخفق الرصاص
كانت الساعة تقترب من الثالثة فجرًا، الوقت الذي تُرتكب فيه أسوأ الجرائم بهدوءٍ أنيق.
المستودع القديم عند أطراف المدينة كان يغرق في صمتٍ ثقيل، صمت لا يقطعه إلا أنين رجلٍ راكع على ركبتيه، ورائحة صدأ مختلطة بالدم.
لوسيان كان يقف أمامه، معطفه الأسود نظيف كأنّه لم يشهد شيئًا، وعيناه جامدتان…
بلا أدنى انفعال.
الرجل توسّل.
قال أسماء.
باع إخوة، وأصدقاء، ومدنًا كاملة مقابل دقيقة حياة.
لكن لوسيان لا يشتري الكلمات.
هو يشتري الصمت الأبدي.
رفع المسدس ببطء، وقبل أن يضغط الزناد…
تردّد صوت بكاء.
تجمّد الهواء.
تجمّد الرجال الواقفون خلفه.
حتى الرصاصة…
بدت وكأنها علِقت في الزمن.
التفت لوسيان فجأة، صوته خرج منخفضًا، حادًا:
«من الصوت؟»
لم يُجبه أحد.
البكاء تكرّر.
صغير…
ضعيف…
لا يشبه هذا المكان.
شدّ قبضته حول السلاح، ثم أنزله دون أن يشعر، وتحرّك نحو الغرفة الجانبية.
فتح الباب.
كانت هناك ممرضة مذعورة، تحاول تهدئة رضيع ملفوف بقطعة قماش بيضاء، بقعة دم صغيرة عند الحافة.
«سيدي…»
تلعثمت.
«لم أستطع إيقافها.»
اقترب لوسيان ببطء، نظر إلى الوجه الصغير،
إلى العينين المغلقتين بإحكام، إلى القبضة التي تشد الهواء كأنها تتمسّك بالحياة.
مدّ يديه.
وللمرة الأولى منذ سنوات، ارتجفت أصابعه.
حين حملها…
سكت البكاء.
ساد الصمت، لكن ليس الصمت الذي يعرفه،بل صمت غريب… حيّ.
خلفه، انطلقت طلقة واحدة.
الرجل الراكع سقط ميتًا، لكن لوسيان لم يلتفت.
كان ينظر إلى الصغيرة فقط.
«ملاك…»
نطق الاسم كأنه اعتراف، كأنه خطيئة.
في تلك اللحظة، لم يكن يعلم أن هذه الطفلة لن تكون مجرّد ابنة، بل بداية النهاية لكل شيء بناه بالدم.
وخارج المستودع، كانت المدينة تواصل نومها…
غير مدركة أن قلبًا من رصاص بدأ يخفق لأجل طفلة من نور.