كطائرِ العنقاءِ ولدتُ منْ رمادِ الفقدِ - الفصل 5 | روايتك

اسم الرواية: كطائرِ العنقاءِ ولدتُ منْ رمادِ الفقدِ
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 5

الفصل 5

" the writer Aridj " . . . فتحت عينيها… لكن الرؤية بقيت غائمة، كأن ضباباً ثقيلاً انسكب داخل حدقتيها. كان الثقل في رأسها أفدح من ثقل جسدها الملقى بلا حراك، حتى خُيّل إليها أن رأسها صخرة مربوطة بذاكرة موجوعة. حاولت أن تلتقط أنفاسها ببطء، وراحت تفتح عينيها على مهل، كما لو كانت تخشى أن تصطدم بالحقيقة إن أبصرَتها دفعة واحدة. غرفة بيضاء ،أصوات أجهزة تنتظم في إيقاعٍ رتيب، صدى أحذية يمر في الممر الخارجي..... لكنها لم تتعرف بعد على المكان الذي هي فيه. رفعت يدها بصعوبة، يدٌ أثقلها الوهن، وفركت عينيها محاولة أن تطرد الغشاوة. وما إن بدأت الرؤية تستعيد وضوحها حتى اتسعت عيناها بفزعٍ مفاجئ… أنبوب مصلٍ مغذٍ متصل بيدها، يقطر ببطء كأنه يعدّ أنفاسها. مالذي حدث؟ كيف أتت إلى هنا؟ بدأت صورٌ مشوشة تطفو على بحر ذاكرتها المضطرب… موت. مقبرة. بكاء. لحظة إغمائها… وفاة والدتها. أغمضت عينيها بقوة، كأنها تحاول أن تمحو الكلمة من الوجود، لكن الحقيقة كانت أصلب من أن تُمحى. انهمرت دموعها متتالية، ساخنة، صادقة، موجعة. لم يكن كابوساً. لم يكن حلماً ثقيلاً يزول مع الفجر. لقد كان واقعاً مريراً… قدراً مكتوباً… قضاءً نافذاً. همست بصوتٍ متكسّر، يكاد لا يُسمع /إنّا لله وإنّا إليه راجعون… رددت في داخلها بإيمانٍ متعب لكنه ثابت: قضاء الله وقدره، ولا فرار من الرضا به وقبوله… وأعوذ بالله من أن نعترض قضائه عز وجل. رفعت يدها اليسرى، ومسحت دموعها بأطراف أصابع مرتجفة، ثم شهدت واستغفرت ووحدت الله، وصلت على نبي الأمة، ودعت لأمها برحمة واسعة وبالفردوس الأعلى. كان الدعاء يخرج من قلبٍ منكسر، لكنه قلبٌ يعرف إلى أين يتوجه حين تضيق الأرض. في تلك اللحظة، فُتح الباب بهدوء. دخل كنان إلى غرفة المشفى. توقفت خطواته حين رآها مستيقظة. ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة، باهتة، لكنها صادقة. اقترب منها ثم انحنى وقبّل جبينها بعمق، قبلةً طويلة حاول أن يسكب فيها طمأنينة عجزت الكلمات عن حملها، ثم جلس على حافة السرير بجانبها. نظر إليها بعينين حمراوين من السهر والحزن، وقال بصوتٍ خافتٍ /لباس عليك ؟ الترجمة الى العربية/هل أنت بخير؟ أومأت برأسها بحركة بسيطة، بالكاد تُرى، ولم تتكلم. أرادت أن تبتسم… فقط لتطمئن قلبه المنشطر من حزنه عليهم، لكن الابتسامة أبت أن تولد. بقيت شفاهها ساكنة، وعيناها تغصّان بما يفوق الاحتمال. ظل كنان يتأمل وجهها طويلاً. كم مرة قال الجميع إن ميسون تشبه والدتها حدّ الدهشة؟ بشرة قمحية دافئة ، شعر متوسط الطول بلونٍ نحاسي جميل ساحر، يلمع حين يلامسه الضوء، أنف مستقيم بأرنبة مرفوعة في كبرياءٍ هادئ، أعين واسعة بلونٍ أخضر زجاجي صافٍ، نمشٌ خفيف يزيّن وجنتيها، شِفاه صغيرة وردية، وخدود مورّدة كأنها تحتفظ ببقية طفولة لم تكتمل. نسخة مصغرة عن والدتها كان الفرق الوحيد بينهما لون العينين وبعض التفاصيل الصغيرة التي لا يلتقطها إلا من أحبّهما معاً وعاشا معھما مدة يسيرة ... ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم فتحت فمها أخيراً. خرج صوتها مبحوحاً، منكسر النبرة، وهي تخفض رأسها /ماتت .... ما إن نطقت الكلمة حتى أزاح كنان وجهه إلى الجهة الأخرى، كأن المواجهة أقسى من أن تُحتمل..... ورجوتُ عيني أن تكف دموعها يوم الوداع نشدتها لا تدمعي أغمضتها كي لا تفيض فأمطرت أيقنت أني لست أملك مدمعي ورأيتُ حُلْماً أنني ودعتهم فبكيت من ألم الحنين وهم معي مر علي بأن أُودع زائرا كيف الذين حملتهم في أضلعي ؟ رفعت رأسها ببطء، ومسحت دموعها بكم حجابها، ثم مدت يدها إليه. قبضت على يده بقوةٍ مفاجئة، كأنها تستنجد دون صراخ، دون صوتٍ مرتعب… طلب نجدةٍ صامت، مشحون بكل ما عجزت عنه الكلمات. التفت إليها، ونظر في عينيها مباشرة، وقال بصوتٍ حاول أن يجعله ثابتاً رغم انكساره /ربي يرحمھا ادعيلھا بالرحمة ياميسون راھي عند ربي ادعيلھا ربي يثبتھا عند السؤال ...مكتوب ربي، قضاء وقدر ھي راح تبقى في قلوبنا دايما....لازم نوضوا ونوقفوا مع بعضانا لازم نخليوھا ترقد متنھنيا علينا ....واش كانت تقولنا دايما "ماتبكيش يانور عيني ماتبكيش ياضنايا الدنيا ماتسواش دموعك ...." الترجمة الى العربية/رحمها الله، ادعي لها بالرحمة يا ميسون، هي عند بارئھا، ادعي لها أن يثبتها عند السؤال… هذا قدر الله وقضاؤه، ستبقى في قلوبنا دائماً… يجب أن ننهض ونقف مع بعضنا، يجب أن نجعلها ترقد مطمئنة علينا، ألم تكن تقول لنا: لا تبكِ يا نور عيني، لا تبكِ ابن بطني وفلذة كبدي، الدنيا لا تستحق ان تنزل دموعك من أجلھا ... كانت ملامحه تحمل شيئا من الانكسار؛ عيناه ترجوانها أن تتماسك، وداخله ينهار بصمت. أكملت ميسون، وعيناها تترقرقان بالدموع، وصوتها يخرج واهناً لكنه مشبع بالحنين /وقلبي مايبغيش عليك .... الترجمة الى العربية/وقلبي لا يرضى ان يمسك سوء ابتسم كنان ابتسامة موجوعة، ومد يده ومسح دموعها بإبهامه برفقٍ أخوي، وقال بنبرةٍ أكثر دفئاً، وإن ظلت مكسورة /خلاص ياميسون تحبيھا تغضب عليك لازم تكوني قوية رانا نحتاجوك كل . الترجمة الى العربية/يكفي يا ميسون، أتريدين أن تغضب عليك؟ يجب أن تكوني قوية، نحن جميعاً نحتاجك. تبدلت ملامحها قليلاً. لم يختفِ الحزن، لكنه استقر في زاويةٍ أعمق، كأنها حسمت أمرها فجأة. لن تترك مكان أمها فارغاً. هم إخوتها… وهي أختهم. لن تترك والدها يغرق في أحزانه، ولا مؤيد الذي أعلن حداده بصمتٍ مخيف، ولا كنان الذي يتصنع الصبر والقوة بينما رياح الأحزان تهب داخله وتجرف معها كل ما كان يصلح للطمأنينة. رفعت بصرها إليه، وسألته بصوتٍ خافت /وينو مؤيد؟؟ الترجمة الى العربية/أين مؤيد؟ أجابها بهدوءٍ ثقيل، وقد انعقد حاجباه بأسى /فالكولاور قاعد فلرض حاط راسو مابين يديه ومابغا يھدر مع حتى حد الترجمة الى العربية/في الممر جالس على الأرض واضعاً رأسه بين يديه، ولا يريد أن يتحدث مع أي أحد. ارتجفت شفتاها، ثم سألت بعد لحظة صمتٍ موجع /وبابا ؟ الترجمة الى العربية/وأبي؟ تنهد طويلاً، وكأن الزفرة خرجت من أعماق قلبه /حالتو تمشي وتسوء راھو غير واقف ويروح بعيد بتخمامو ويعاود يرجع . الترجمة الى العربية/حالته تسوء، هو فقط واقف ويذهب بعيداً بأفكاره ثم يعود. رفعت رأسها نحو السقف الأبيض، وثبّتت عينيها في نقطةٍ بعيدة، كأنها تبحث عن معنى خلف البياض، ثم قالت برجاءٍ صادقٍ يتسلل من بين دموعها /ياربي الطف بينا وكون في عونا الترجمة الى العربية/يا رب الطف بنا وكن في عوننا. أغمض عينيه لحظةً، ثم قال بصوتٍ خاشع /امين . الترجمة الى العربية/آمين. وساد الغرفة صمتٌ ليس خالياً… بل ممتلئاً بالحزن، بالإيمان، وبقرارٍ وُلد في قلب ميسون.....أن تكون السند حين يتداعى الجميع، وأن تحوّل وجعها إلى قوة، ودموعها إلى دعاء، وأن تبقى واقفة… مهما كان الثقل في رأسها أثقل من ثقل جسدها.....