الفصل السادس
الفصل السادس: وسم الشيطان ولعنة العودة
بعد أن أعلنت بيلا استسلامها المؤقت لجاذبية الشيطان، لم يكن الطريق للغرفة مجرد صعود درجات؛ بل كان رحلة نحو هلاكٍ لذيذ. سحبها ألكسندر خلفه بقوةٍ لم تعهدها، وهتف بجرأة "الشيطان" التي تسكن روحه: "إذن، ما رأيكِ في ليلة وداع؟ أعتقد أنني سأشتاق لجنونكِ الصاخب". صعدا إلى الأعلى وسط ذهول الحاضرين وتجمد أنفاسهم؛ فمن يجرؤ على اعتراض طريق "ألكسندر براندو" وهو يقتاد "إعصاره الخاص" نحو جناحه، تاركاً خلفه حطاماً بشرياً في الأسفل لا يدرك حجم الكارثة التي تنتظره؟
في الجناح، كانت بيلا تقف أمام مرآة طولية، تعكس جسدها الضئيل المنهك. كانت تلعن ألكسندر في سرها وبصوتٍ مسموع أحياناً؛ فقد كان قاسياً معها هذه المرة، قسوةً تركت علاماتٍ أرجوانية واضحة على عنقها وكتفيها، وكأنه يرفض فكرة أن تكون لغيره، أو ربما هو "وسم" يضعه الشيطان ليعلن ملكيته النهائية عليها. زفرت بضيق وهي تفكر أنها ستضطر لارتداء ملابس مغلقة تماماً "هاي كول" لإخفاء تلك الآثار عن أعين والدها وعشيق أختها، فهي لا تريد لأي تفصيل جانبي أن يحرف بوصلة خطتها أو يمنحهم فرصة للشماتة.
ألكسندر، الذي كان لا يزال جالساً على طرف الفراش الوثير، عاري الصدر، يشعل سيجارته ببرودٍ مستفز، كان يراقبها بنظرةٍ تمزج بين التسلية والوعيد. نظرت إليه بيلا عبر المرآة بسخطٍ من أفعاله التي لا تنتهي، ثم توجهت نحو المرحاض لعل المياه تريح جسدها المنهمك؛ فهي ستعود إلى "بيت الأفاعي" الليلة بعد أن قضيا الليل بطوله هنا في قصر جده.
استلقت بيلا في حوض الاستحمام، مغمضة العينين، تحاول استحضار الهدوء قبل العاصفة القادمة. وفجأة، ودون أن تفتح جفنيها، قالت بنبرة باردة وجافة: "هل لتلك الدرجة تحب مشاهدتي وأنا أستحم؟".
ابتسم ألكسندر بذهول؛ فرغم أنها كانت في قمة الاسترخاء، وهو لم يصدر أدنى صوت يذكر، إلا أن دفاعاتها الفطرية كانت تعمل كجهاز إنذار لا ينام. اقترب منها وهمس بتسلية: "إذن قزمتي.. كيف علمتِ بوجودي دون أن أصدر صوتاً؟ وأنتِ أيضاً في قمة استرخائك!".
فتحت بيلا عينيها التي أصبحت في الآونة الأخيرة بلون الدم من فرط التعب والغضب، وقالت بسخرية: "أحياناً تخدعنا العيون والمظاهر، لكنني لا أرخي دفاعاتي أبداً أيها العملاق.. ولن أستطيع فعلها أبداً". صمتت لبرهة ثم أكملت بشرودٍ مرير: "عندما كنتُ أعمل لصالح والدي في الشركة، كان أحد أصحابه العجوز المتصابي المقرف يحاول دائماً تلمس جسدي.. لذا تعلمتُ ألا أرخي دفاعاتي، لكي أشعر بظله القذر قبل أن يقترب وأبتعد عن طريقه".
تصلبت ملامح ألكسندر، وساد صمتٌ ثقيل قبل أن يهبط في الحوض بجانبها بكامل ثقله. لم تتحرك بيلا، ولم تبدِ أي مفاجأة، بل ظلت ساكنة كأنها كانت تتوقع حركته. سألها بصوتٍ نبع من قاع الجحيم ونظرة سوداوية مخيفة: "ذكريني.. ماذا كان اسمه؟".
ابتسمت بمرارة وسخرية: "كيف أذكرك بشيء لا تعرفه أصلاً ولم أخبرك به أيها الشيطان؟".
رد بابتسامة باردة: "إذن أخبريني الآن أيتها القزمة".
قالت وهي تشرد مجدداً في ذكرياتها الأليمة: "فالنتينو مورو".
ردد ألكسندر الاسم بصوتٍ هامس، وكأنه يقطعه بين أسنانه، متوعداً ذلك الوغد على لمس ممتلكاته الخاصة. ثم بدأ بـاحتضان تلك الشاردة بقوة، وكأنه يطبع في عقلها رسالة طمأنينة أن حقوقها ستُسترد بالدم قريباً.
الصباح التالي: وداع الشيطان
خرجت بيلا من الحمام تجفف خصلات شعرها القصير، لتجد ألكسندر في الشرفة يتحدث بحدة عبر الهاتف في مكالمة بدت مهمة جداً. بمجرد أن رآها، أطفأ تبغه وأنهى المكالمة فوراً، واقترب ليساعدها في تجفيف شعرها أمام المرآة. كانت تسند ظهرها إلى صدره العاري، تبتسم بتعبٍ أخفته ببراعة خلف مساحيق التجميل، بينما كانت عيناهما تلتقيان في الزجاج في صمتٍ أبلغ من الكلام.
نزلت بيلا لتناول الفطور مع العائلة، لتجد مكانها محجوزاً بالفعل بجانب ألكسندر، وكأن الجميع أقروا بأنها أصبحت "سيدة الشيطان". جلست وقالت ببرود: "صباح الخير". ثم مالت نحو أذن ألكسندر وهمست بفيح الأفاعي: "سيكون آخر صباحٍ فيه 'خير' على جميعكم.. فقط انتظروا".
ابتسم ألكسندر على جرأة تلك المتمردة، وبدأ الجميع تناول الطعام تحت نظرات الرعب والترقب.
بعد الفطور، بدأ الجميع بتوديع الجد، بينما تسلل ألكسندر للحديقة الخلفية للرد على مكالمة أخرى. كان من المفترض أن تتوجه بيلا للسيارة مع والدها، لكنها كانت في الحقيقة مع "الشيطان". كان ألكسندر يحاوط خصرها بقوة، يدفن رأسه في عنقها مستنشقاً عبيرها وكأنه يرفض فكرة تركها تذهب لبيت الأفاعي.
قالت بيلا بسخرية: "لم أكن أعلم أن رائحتي جميلة بهذا الشكل!".
رد ألكسندر بطبع قبلةٍ عنيفة على عنقها، ثم غرز أسنانه في جلدها عندما سمع سخريتها، وقال بوعيد: "تمردي على الجميع إلا أنا.. لكي لا تحزني من أفعالي يا بيلا".
نظرت إليه بيلا بحقد؛ فهي للتو بذلت جهداً لإخفاء علامات ليلة أمس بالمكياج، والآن صنع هو علامةً طازجة وواضحة! ابتعد عنها ببرود ليكمل مكالمته مع ذراعه اليمنى "انطونيوس"، لكن بيلا لم تكن لتمرر الأمر ببساطة. اقتربت منه بخبث، وضعت يديها على صدره والأخرى على عنقه، وتشبثت به تحت نظراته المحذرة، ثم قبلته بقوة.. وقبل أن يتمكن من مبادلتها، ركضت نحو السيارة وهي تضحك بانتصار.
نظر ألكسندر لظلها بشرٍّ وتوعد، وهو يبتسم لتلك "المشاغبة" التي ستبدأ حريقها الخاص. صعدت بيلا السيارة، وبدلاً من مكانها المعتاد، احتلت مقعد "أليسيا" المفضل. نظرت لأليسيا المصدومة وهمست بخبث غريب: "بدأ وقت العد التنازلي..". ثم ابتسمت وهي ترى نظرات الكره والغضب والخوف في عيون أختها غير الشرعية، مدركةً أن "بيلا الجديدة" قد بدأت فعلياً في دهس الجميع.