الفصل الخامس
الفصل الخامس: رحلة إلى المجهول (الجزء الأول)
ابتسمت بيلا بسخرية مريرة وهي تواري عينيها المتعبتين خلف جفونها؛ كانت تدرك أن جسدها سينهار أكثر، وأن الوجع سيتضاعف، لكنها اتخذت قرارها: ستحرق الجميع قبل أن تسقط الورقة الأخيرة من شجرة حياتها الذابلة.
الانتقام الآن هو الأوكسجين الوحيد الذي يمنح رئتيها القدرة على استنشاق هذا العالم الملوث. أغمضت عينيها في محاولة بائسة للنوم، بينما عقلها ينسج خيوطاً من نار حول رقاب من خذلوها.
مع أول خيوط الشمس، استيقظت بيلا وهي تشعر براحةٍ نسبية؛ فثوران الألم في رأسها قد خمد قليلاً مقارنةً بجحيم الليلة الماضية. جلست على الفراش الوثير، تستعيد شريط الأحداث الصادم الذي وقع في منتصف الليل، وكأنها كانت في حلمٍ سريالي لا يمت لواقعها بصلة. قطع حبل شرودها صوت باب المرحاض وهو يُفتح، لتجد ألكسندر براندو يقف أمامها بهيبته المعتادة، عاري الصدر كعادته المستفزة.
اقترب منها ببطءٍ مدروس، وانحنى قليلاً ليصبح في مستوى نظرها، وقال بنبرة رخيمة وجافة:
— "اجهزي بسرعة.. أمامنا رحلة طويلة اليوم."
نظرت إليه بيلا بسخرية لم تستطع إخفاءها، ثم نهضت متجهةً للمرحاض لتغسل عنها بقايا التعب، متجاهلةً بروده الذي يغلف كل حركة يقوم بها. بعد دقائق، خرجت لتختار من الملابس التي جلبها لها؛ وقع اختيارها على فستان أسود أنيق يصل لركبتيها، بأكمام طويلة تضفي عليها غموضاً ساحراً.
عندما نزلت لبهو القصر، كان ألكسندر ينتظرها وقد اكتملت أناقته القاتلة. رمقته بنظرةٍ متمردة وقالت:
— "إذن أيها الشيطان.. إلى أين تنوي اقتيادي هذه المرة؟"
لم يجبها، بل اكتفى بتفحصها بعينين صقريتين. كان يراقب كيف حولت ذلك الفستان البسيط إلى قطعة من السحر بجمالها الفطري؛ فمهما حاولت بيلا تشويه صورتها أو التمرد على أنوثتها، كانت تزداد حسناً في عينيه، وكأن القبح يرفض أن يمسها.
صعد إلى سيارته ببرود، فتبعته بعد لحظات وهي تدمدم بسخطٍ لأنه تجاهل سؤالها. انطلق المحرك بزئيرٍ مكتوم، وشقت السيارة طريقها بسرعة جنونية نحو وجهةٍ غامضة، بينما كانت بيلا تراقب الطريق وهي تتساءل: هل هذه بداية النهاية لأعدائها، أم فصلاً جديداً من فصول جحيم ألكسندر براندو؟
و بعد مدة غفت بيلا بداخل السيارة و بعد وقت ليس بقصير.
فتحت بيلا عينيها على لمسةٍ أيقظتها من غفوتها، تطلعت حولها بنعاسٍ ممتزج بالضياع وقالت بصوتٍ خافت:
— "أخيراً.. هل وصلنا إلى وجهتنا أم أن الطريق لا نهاية له؟"
أجابها ألكسندر ببرود وهو يفتح باب السيارة: "نعم، وصلنا. هيا، اهبطي."
ترجلت بيلا وهي تترنح قليلاً، قبل أن تستعيد توازنها بالكامل. اتسعت عيناها وهي تتأمل القصر المنيف الذي انتصب أمامها، والضيوف الذين بدأوا يتوافدون بملابسهم الفاخرة. سألت بدهشة: "أين نحن بحق الخالق؟"
رد ألكسندر وهو يسبقها بخطوات واثقة: "هذا منزل جدي. هناك حفلٌ على وشك البدء، وعلينا تبديل ملابسنا قبل المثول أمامه."
صعدت معه في صمت، وعيناها كعيني الصقر تتفحصان كل زاوية في المكان، وكأنها ترسم خريطة لهروبٍ محتمل أو هجومٍ مباغت. دخلت الجناح المخصص لهما، وانزوت في غرفتها لتبدل ثوبها بآخر أبيض طويل، يلتف حول جسدها كالقيد الناعم، بفتحةٍ جانبية جريئة تبدأ من الفخذ وتكشف عن تمردها، وظهرٍ عارٍ يبرز رقتها. انتعلت حذاءها الأبيض ذا الكعب العالي، وجلست على طرف الفراش تنتظر خروجه.
خرج ألكسندر ببدلته السوداء الفاخرة وقميصه الأبيض الناصع، ووقف يرمقها بنظرة تقييمية حارقة، يلعن في سره ذلك السحر الذي يحيط بها؛ فكلما حاولت أن تبدو أسوأ، زادها القدر فتنة.
قالت بيلا بتسلية مستفزة: "إن كنتُ أعجبك لهذه الدرجة، فلا بأس إن تغيبنا عن حفل جدك.. وليرانا هو في وضعٍ مخل، ما رأيك؟"
لم يمنحها شرف الرد، بل استدار وخرج من الغرفة. تبعته وهي تبتسم بسخرية، ليتوقف فجأة قبل بداية الدرج ويلتفت إليها محذراً بنبرة حادة: "إياكِ ثم إياكِ إياكِ حذرتكِ للمرة الثالثة، لا أريد مجزرة بالأسفل. تحكمي في شياطينكِ."
ردت ببرودٍ جليدي: "حسناً، حسناً.. لستُ 'يأجوج ومأجوج او المسيح' لأعيث في الأرض فساداً. هيا بنا."
هبطت معه الدرج، تعلقت ذراعها بذراعه القوية، بينما اتجهت أنظار الجميع نحوهما بذهولٍ تام. كيف لـ "الشيطان" الذي يرتجف الرجال والنساء لمجرد ذكر اسمه، أن تسير بجانبه فتاة بهذا الحجم الضئيل، و الاهم من ذلك هذه الثقة العمياء، وكأنها تقتاده في غيبوبةٍ مغناطيسية؟
تقدما نحو الجد، ذلك الرجل الذي تنطق ملامحه بالصرامة والقسوة، لكنه لان تماماً أمام حفيده المفضل. وبينما كانت الأجواء عائلية بامتياز، حدث ما لم تضعه بيلا في الحسبان.. برز من وسط الحشد وجهٌ تعرفه جيداً، وجهٌ يمثل كل كوابيسها.. والدها الأحمق، جاستينو.
اتسعت عينا بيلا بمرارة وهي تشاهد "جاستينو" يرحب بالجد، وبجانبه زوجته العاهرة وابنتها "أليسيا" ومعهم "ماركو" عشيق اختها.. مع انه من المفترض ان ذلك الوغد يفترض أن يكون زوجها المستقبلي. كان والدها يقدمهم بزهوٍ وفخر كأنهم عائلته المثالية، بينما هي.. الابنة الشرعية الوحيدة، تقف كمنبوذة في ظلال حياتهم.
اقتربت من أذن ألكسندر، وهمست بصوتٍ بارد كالجليد، يسمعه هو وحده:
— "أتذكر حين أخبرتكَ أنني لستُ 'يأجوج ومأجوج او المسيح' لأرتكب مجزرة؟"
اسودّت عيناها بغلٍ دفين وأكملت بفحيح الأفاعي: "لقد نسيتُ إخبارك أنني أسوأ منهم جميعاً، وأن كلمة 'مجزرة' قليلة جداً عما سأفعله بعد قليل."
نظر إليها ألكسندر بمزيج من الحذر والتحذير، لكنه أدرك أنه يخاطب جسداً بلا روح؛ فبيلا كانت قد غادرت عالم الأحياء بوعيها، وانتقلت إلى ساحة حربها الخاصة. رسمت على وجهها ابتسامة جنونٍ هادئة وهي تلمح "أليسيا" تتجه نحو المرحاض.
قالت برقةٍ زائفة لاحظها ألكسندر وحده: "أعذروني.. أحتاج للمرحاض أنا أيضاً."
تبعتها بخطوات واثقة. داخل المرحاض، كانت أليسيا تقف بزهوٍ تضع مساحيق التجميل، بينما بدأت بيلا تغسل يديها بهدوءٍ مريب، وعيناها معلقتان بالمياه المتدفقة وكأنها تغسل عنها بقايا الرحمة.
قطعت أليسيا الصمت بسخرية لاذعة: "علمتُ أن زواجكِ من حبيبي الأسبوع المقبل، أيتها العاهرة؟"
لم تتحرك بيلا، ظلت يداها تحت الصنبور، مما أشعل غضب أليسيا التي حاولت جذبها من شعرها وهي تصرخ بحقد: "أيتها العاهرة مثل والدتكِ.. لماذا لا تجيبين؟ أأكل القط لسانكِ؟"
في لمح البصر، وقبل أن تلمسها يد أليسيا، كانت بيلا قد قلبت الطاولة؛ جذبتها هي من شعرها بعنف، وخنقتها بيدها الأخرى مثبتة إياها على الحائط الرخامي. قالت ببرودٍ يبعث القشعريرة:
— "عندما كنتُ أصمت، كنتم تظنون أنني ضعيفة.. لكنني كنتُ أصمتُ لأجل أمي فقط. والآن، لم يتبقَّ لي سوى القليل لألحق بها هي و جدتي العزيزة، لذا لا تجبريني على ارتكاب مجزرة في هذا الحفل. أنا أحاول ضبط أعصابي بطريقة إعجازية، ولا أعلم كيف لم أقتلكِ حتى هذه اللحظة! انتي و امك العاهرة او بالاصح العائلة بأكملها"
أكملت وهي تضغط على عنقها بغل: "أما عن العهر.. فأنتِ وأمكِ تملكان العلامة الكاملة؛ هي سرقت والدي من أمي، وأنتِ سرقتِ رجلاً لم أرده يوماً. أما أنا.. فقد سلمتُ نفسي للشيطان وعقدتُ معه صفقة هلاككم. استمتعي بما تبقى لكِ من رفاهية، فأنفاسكِ باتت معدودة."
جففت بيلا يديها في فستان أليسيا المصدومة، وخرجت بابتسامة نصرٍ وثقة لم تعهدها من قبل. استقبلها ألكسندر عند الباب، وضع يده على خصرها بتملكٍ وضغط عليه وهو يهمس بضحكة خافتة:
— "أتمنى ألا تكوني قد تركتِ جثة بالداخل."
ردت بيلا بسخرية: "لا تقلق، ما زالت قطعة واحدة.. النهاية لم تبدأ بعد."
نظر إليها ألكسندر بطريقة غريبة، سألها بنبرة غامضة: "ستعودين معهم، أليس كذلك؟"
أومأت برأسها: "فقط حتى يوم الزفاف.. يوم نهايتهم القريبة."
سحبها ألكسندر وراءه بقوة، وهتف بجرأة الشيطان: "إذن، ما رأيكِ في ليلة وداع؟ أعتقد أنني سأشتاق لجنونكِ الصاخب."
صعدا إلى الأعلى وسط ذهول الحاضرين، فمن يجرؤ على اعتراض طريق ألكسندر براندو وهو يقتاد "إعصاره الخاص" نحو جناحه، تاركاً خلفه حطاماً بشرياً لا يدرك حجم الكارثة التي تنتظره؟
المرة دي عملت الفصل الف مية و عشرين كلمة تقريبا
من غير الرغي دا ممكن بقى تعليق او حتى نجمة لمجهودي و تقولولي رأيكم 🫤🥺