طُفتُ في الآفاقِ حَتّى مَلَلتُها وَعُدتُ إِلى رُكني وَأَنتِ مَكانِيا - الفصل 19 - بقلم نور - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: طُفتُ في الآفاقِ حَتّى مَلَلتُها وَعُدتُ إِلى رُكني وَأَنتِ مَكانِيا
المؤلف / الكاتب: نور
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 19

الفصل 19

. الفصل التاسع عشر: مقامُ الصدقِ وَصولةُ الحَقّ جاء صباح يوم افتتاح "دار أيتام المعتصم". القصر تزيّن بالورود البيضاء، والناس بدأت تتوافد؛ وجهاء، مسؤولين، وصحفيين، وبالطبع كان "بندر" وعصابته واقفين في الزوايا، ينتظرون لحظة "السكينة" ليغرسوا نصلهم. الساعة 4:00 عصراً: داخل الجناح، كان معتصم يرتدي بشته الأسود بوقار، لكن يده كانت ترتجف قليلاً. دخلت عليه عليا، كانت كأنها قطعة من النور بعبايتها المطرزة بهدوء. وضعت يدها على كتفه: — عليا: "معتصم.. تذكر إن الله مع الصادقين. قل ما في قلبك، وربي بيتولى الباقي." — معتصم (نظر لها بعمق): "خايف عليكِ يا عليا من نظرات الناس إذا عرفوا الحقيقة." — عليا: "أنا فخورة فيك اليوم أكثر من أي يوم مضى. قم.. اليتامى ينتظرون الأب اللي قرر يطهر حياتهم." " صعد معتصم للمنصة. ساد الصمت. كان "بندر" يبتعد عن الجمهور، وبيده ملفات يهمّ بتوزيعها على الصحفيين. قبل أن يبدأ بندر حركته، وقف معتصم أمام الميكروفون، وبدأ يتكلم بصوتٍ رزين هزّ القلوب: — معتصم: "أيها الحضور.. قبل أن نفتتح هذا الدار، وقبل أن تقبلوا مني هذا العمل، عليّ أن أعترف لكم بشيء. أنا لستُ الرجل المثالي الذي تظنون. أنا رجلٌ أذنبَ وتجبرَ، وجمعَ كثيراً من مالهِ من طرقٍ لا يرضاها الله. وأنا اليوم أقف أمامكم لأعلن توبتي وتصفيته لكل أعمالي المشبوهة، وهذا الدار.. بنيتهُ بمالٍ طهرتهُ بدموعي وندمي، ليكون كفارةً عما سلف." الناس بدأت تتهامس بصدمة. بندر تجمد مكانه، فالملفات التي في يده لم يعد لها قيمة بعد أن اعترف صاحب الشأن بنفسه. استرسل معتصم، وعيونه دمعت: "وحتى الحريق الذي ماتت فيه أمي.. كنتُ أظنُ أني ضحيته، واكتشفتُ أن والدي -رحمه الله وغفر له- كان هو المتسبب فيه. أنا ابنُ الخطيئة التي أحاول اليوم غسلها بالخير. من كان منكم يرى أني لا أستحق أن أكون بينكم، فليخرج.. ومن أراد أن يشاركني رحلة التوبة، فالباب مفتوح." في تلك اللحظة، قام أبو مشعل من وسط الجمهور، ومشى للمنصة بوقاره وبشته البني. وقف بجانب معتصم وأمسك بالميكروفون: — أبو مشعل: "يا جماعة الخير.. أنا الرجل الذي سُجن ظلماً في قضية ذلك الحريق. وأنا أقول لكم اليوم: معتصم ليس ابن القاتل فحسب، بل هو الرجل الذي اختار الحق حين عرفه. هو من أخرجني من سجني وقبّل رأسي وطلب السماح. وإذا كنتُ أنا صاحب الحق قد سامحته، فمن أنتم حتى تحاكموه؟" ضجت القاعة بالتصفيق الذي أبكى الحجر. الصحفيون تركوا "الفضيحة" وبدأوا يكتبون عن "أعظم قصة توبة في المجتمع". بندر انسحب من القاعة كالكلب المطرود، بعد أن خسر سلاحه الوحيد. بعد الكلمة، بدأت الجولة في الدار. معتصم كان يمشي واليتامى يتمسكون ببشته. كان يمسح على رؤوسهم بالتفصيل الممل؛ يسأل هذا عن لعبته، ويعد هذه بغرفة أجمل. عليا كانت تشرف على "بوفيه" الطعام، وتوزع الحلوى بضحكتها البريئة. في نهاية اليوم، وبعد أن غادر الضيوف، جلس معتصم وعليا وأبو مشعل في حديقة الدار. ساد هدوء عجيب، هدوء "النصر على النفس". أبو مشعل دخل ليرتاح، وبقي معتصم وعليا تحت ضوء القمر. معتصم التفت لعليا، وكان يحس بامتنان يفيض من قلبه: — معتصم: "عليا.. اليوم أحس إني انولدت من جديد. لولا الله ثم أنتِ، كنت الحين في زنزانة الظلام أو في حفرة الحرام." ونطق ببيت شعر يقطر عذوبة: > "لَقَد كُنتُ في لَيلٍ مِنَ الذَنبِ حالِكٍ.. فَجاءَ ضِياؤُكِ لِلظَلامِ يُبَدِّدُ" > "أغارُ عليكِ من "نورِ القمر" لو تخللَ نقابكِ، وأغارُ من "دعواتِ هؤلاء اليتامى" أن تشغلكِ عني.. فواللهِ ما نلتُ هذا العزَّ إلا ببركةِ قلبكِ." > ردت عليه عليا، وهي ترسم بخجل على رمال الحديقة، ببيتٍ يعبر عن وفائها: — عليا: > "وَمَن لَم يَذُق مُرَّ التَعَلُّمِ ساعَةً.. تَجَرَّعَ ذُلَّ الجَهلِ طولَ حَياتِهِ" > "ذقنا المر يا معتصم، واليوم حان وقت "الشهد". غيرةُ الحبِ زينة، لكن لا تغر من اليتامى، فهم "أبناءُ توبتك"، وأنا.. أنا "محرابُ سكونك"." > " معتصم ضحك بخفة، وهو يتذكر الأيام الأولى: — معتصم: "تذكرين لما كنت أخليكِ تنامين على الكنبة وأنا أراقبكِ بجفاء؟" — عليا (بمرح): "إي والله أذكر، وأذكر "القدور" اللي خليتني أجليها لين طاحت كفوفي. وش رايك الحين تروح المطبخ وتغسل صحون العشاء حق اليتامى؟" معتصم (بصدمة مرحة): "أنا؟ معتصم الـ...؟" — عليا: "إي، معتصم التائب المتواضع. قم يا بطل، التفاصيل المملة تنتظرك في المطبخ!" قام معتصم وهو يضحك، وفعلًا دخل المطبخ وبدأ يساعد في ترتيب الأطباق، وعليا تراقبه بحب، وهي تحس إن الله عوضها عن كل دمعة نزلت من عينها. ؟