الفصل 17
.
الفصل السابع عشر: عتباتُ الصدقِ وَخبايا السجون
أشرقت شمس الرياض محملةً بوعودٍ جديدة. معتصم لم ينم منذ صلاة الفجر؛ قضى وقته يراجع ملفات قديمة، ويستغفر عن كل "ريال" دخل بيته بغير حق. عليا كانت في المطبخ، تحضر له إفطاراً بسيطاً (خبزاً وزيتاً وزعتراً)، فقد قررا أن يعيشا "الزهد" حتى يتأكدا من طهارة كل لقمة.
الساعة 8:30 صباحاً
وقف معتصم عند الباب، يرتدي ثوباً أبيضاً بسيطاً، وقد غابت عن وجهه نظرة الكبرياء وحلت مكانها هيبة "التائب". عليا وقفت قبالته، عدلت له ياقة ثوبه ببراءة، ونظرت في عينيه:
— عليا: "معتصم.. تذكر، أنت رايح تطلب سماح، مو رايح تحاكم. خليك "هين لين" مثل ما وصانا الرسول ﷺ. وأبوي مهما سوا، يبقى أبوي."
— معتصم (أمسك يدها من فوق القماش وبحذر): "أدري يا عليا. أنا رايح أفك قيود الماضي اللي ربطتنا كلنا. ادعي لي.. أحس بحمل الجبال على صدري."
خرج معتصم، وأغلق الباب خلفه. عليا لم تذهب للنوم، بل أخذت سجادتها وجلست في الصالة، تقرأ سورة "يس" بنية الفتح وتيسير الأمور، وتراقب الساعة بالدقيقة والثانية.
وصل معتصم إلى السجن. الإجراءات كانت طويلة ومملة؛ تفتيش، انتظار، أبواب حديدية تفتح وتغلق بصوتٍ يبعث الوحشة. جلس في غرفة الزيارة، يفصله زجاج سميك عن الشخص الذي كان يكرهه أكثر من أي شيء في الوجود: أبو مشعل.
دخل أبو عليا؛ كان شاحباً، منكسراً، وعيونه غائرة. لما شاف معتصم، ارتبك وخاف:
— أبو مشعل بصوت يرتجف: "معتصم بيه.. وش جابك؟ عليا فيها شيء؟"
— معتصم (بصوت هادئ ورزين): "عليا بخير، وهي تاج راسي. أنا جيت أقول لك إني تبت لربي، وجيت أعتذر منك عن كل لحظة ذل ذقتها بسبب جبروتي. وجيت أسمع منك الحقيقة.. حقيقة الحريق يا عمي، بدون كذب."
سكت أبو مشعل فترة طويلة، ثم بدأ يبكي بالتفاصيل المملة:
— أبو مشعل: "يا معتصم.. أنا ما حرقت البيت. أنا كنت "شاهد" على اللي صار. أبوك هو اللي أشعل النار عشان يهرب من ديونه ويأخذ بوليصة التأمين، ولما شافني كشفت سره، هددني بذبح بنتي عليا لو تكلمت. أنا هربت وحاولت أنقذ أمك، بس النار كانت أسرع. أنا سكتّ طول هالسنين خوفاً على عليا منك ومن أبوك."
وقع الخبر على معتصم كالصاعقة. والده، الذي كان يحسبه ضحية، كان هو "الجاني". انهار كبرياء معتصم الأخير. وضع رأسه على الزجاج وهو يبكي بنحيب:
— معتصم: "يعني أنا كنت أعذب الضحية.. وأمجد القاتل؟ يا ربي اغفر لي.. يا ربي ارحمني."
العودةُ والانكسارُ العظيم
رجع معتصم للفيلا وهو لا يرى أمامه. دخل ووجد عليا بانتظاره. أول ما شافها، سقط على ركبتيه عند قدميها (بالمعنى المجازي من التعب والندم) وبدأ يحكي لها كل ما سمع.
— معتصم: "عليا.. أنا كنت أظلمكِ وأنتِ بنت الرجل اللي حاول ينقذ أمي! أنا كنت "الوحش" الحقيقي في هالقصة. كيف بتسامحيني يا عليا؟ كيف؟"
عليا (نزلت لمستواها، و سحبت يده ووضعتها على المصحف اللي بجنبها):
— عليا: "يا معتصم.. {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ}. الماضي مات. الحين أنت عرفت الحقيقة، وبتبدأ تصلح اللي انكسر. أبوي بيطلع من السجن بالحق، وأنت بتصير الرجل اللي كانت أمك تتمناه."
في الليل، وبعد أن هدأت العاصفة، كان معتصم جالساً يكتب في نوتته. عليا كانت تبخر الغرفة بريحة "المستكة" الهادية. التفت لها ونطق بأبيات شعرية تعبر عن تحول مشاعره من "تملك" إلى "تقدير وتقوى":
> "رَأَيتُ الذُنوبَ تُميتُ القُلوبَ.. وَقَد يورِثُ الذُلَّ إِدمانُها"
> "وَتَركُ الذُنوبِ حَياةُ القُلوبِ.. وَخَيرٌ لِنَفسِكَ عِصيانُها"
> "يا عليا.. أنتِ مَن أحيى قلبي بعد موتهِ.. فواللهِ ما غيرةُ اليومِ كغيرةِ الأمسِ"
> "أغارُ عليكِ من "ذنبٍ" يمسُّ طهركِ.. وأخافُ عليكِ من "نفسي" قبل أي إنسِ"
>
ردت عليه عليا، وهي تبتسم من خلف نقابها بوقار، ببيتٍ من "الحكمة":
> "إِذا المَرءُ لَم يَلبَس ثِياباً مِنَ التُقى.. تَقَلَّبَ عُرياناً وَإِن كانَ كاسِيا"
> "لبستَ التقوى يا معتصم، فصرتَ في عيني أجملَ من كلِ ملكٍ.. وعزتُنا اليومَ في سجدةٍ لا في صولةِ مال."
>
تفاصيلُ "البيتِ الجديد"
بدأت عليا ومعتصم "ثورة" في الفيلا. قرر معتصم يفتح "دار أيتام" في جزء من القصر، وصار يشرف بنفسه على التفاصيل المملة؛ نوع الأثاث، جودة الأكل، والكتب اللي بيقرأونها.
عليا صارت هي "الأم" الروحية للمكان، تختار الستائر والملابس للأطفال براءتها ومرحها المعتاد.
في لحظة غيرة مرحة، معتصم شاف عليا وهي تشرف على العمال اللي يركبون "ألعاب" الأطفال في الحديقة (وهي طبعاً منقبة ومحتشمة).
— معتصم (بصوت جهوري ومرح): "عليا! ادخلي داخل! الألعاب أنا أشرف عليها، لا يشوفونك العمال وأنتِ تركضين ورا البزران!"
— عليا (تضحك): "يا معتصم! صرت تغار من العمال وهم يركبون "زحليقة"؟ اتقِ الله، خلنا نخلص!"
— معتصم (قرب منها وبهمس شاعر): "أغار من الهوا لو مسّ طرف عبايتك.. قومي صلي ركعتين شكر، واتركي العمال لي."
؟