طُفتُ في الآفاقِ حَتّى مَلَلتُها وَعُدتُ إِلى رُكني وَأَنتِ مَكانِيا - الفصل 16 - بقلم نور - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: طُفتُ في الآفاقِ حَتّى مَلَلتُها وَعُدتُ إِلى رُكني وَأَنتِ مَكانِيا
المؤلف / الكاتب: نور
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 16

الفصل 16

. الفصل السادس عشر: اعترافٌ تحتَ ظِلالِ النَّدم مرّت الأيام الأولى بعد توبة معتصم ثقيلة ومملة بتفاصيلها الإيمانية. معتصم لم يعد ذلك الرجل الذي يصرخ ويأمر، بل صار يقضي وقته بين سجادة الصلاة وبين أوراق شركاته، يحاول فرز "الحلال من الحرام". كانت عليا تراقبه بذهول؛ تراه يصحو قبل الفجر بساعة، يتوضأ بهدوء، ويطيل السجود حتى تبتل السجادة من دموعه. الساعة 11:00 ليلاً: كانت عليا جالسة في ركن الغرفة تقرأ وردها، ومعتصم جالس على مكتبه، لكنه لم يكن يقرأ صفقات، بل كان يقرأ في المصحف. فجأة، أغلق المصحف، والتفت إليها بنظرة لم ترها منه من قبل؛ نظرة إنسان "خائف" حقاً، ليس من بشر، بل من خالق البشر. — معتصم (بصوت هادئ ومتهدج): "عليا.. تعالي اجلسي. فيه حمل بصدري لو ما نطقته اليوم، أخاف ربي يقبض روحي وأنا شايله." اقتربت عليا، جلست بوقارها المعهود وبراءتها التي لا تنطفئ. — معتصم: "أنا كذبت عليكِ في أشياء كثيرة.. وتجبرت فيكِ وأنا أدري إنك مظلومة. الحقيقة يا عليا إن أبوكِ لما غدر بأبوي في الحريق، أنا ما أخذتكِ عشان أنتقم منه وبس.. أنا أخذتكِ لأني كنت خايف إنك تملكين أدلة ضدي في قضايا "غسيل الأموال" اللي كنت أديرها. كنت أبي أحبسكِ تحت عيني عشان أحمي نفسي." — عليا (بصدمة وهدوء): "يعني كنت خايف مني؟ مو خايف علي؟" — معتصم (نزّل رأسه بأسى): "كنت وحش يا عليا. والفلوس اللي كنت أحولها لأمك، ما كانت بس رد جميل.. كانت "ثمن سكوتها" عن اللي شافه أبوي يسويه في أمي. أنا كنت أشتري صمت الكل بالفلوس. حتى زواجي منك، كان صفقة قذرة مع أبوكِ عشان يضمن إني ما أقتله في السجن، وأضمن إنك ما تتكلمين." قام معتصم وفتح خزنة سرية في الجدار، أخرج منها ملفات سوداء كثيرة، ورماها على الأرض أمامها. — معتصم: "هذي كل القاذورات اللي سويتها. عقود وهمية، رشاوي، تلاعب بالأسهم.. كل ريال دخل بجيبي من هالأوراق هو "نار" بتأكلني. من بكره، بدأت إجراءات تصفية كل هالأعمال. برجع الحقوق لأصحابها، واللي ما أعرفهم بتصدق بها عنهم. حتى لو أرجع أفقر إنسان، المهم أنام وأنا مو خايف من "وعيد" ربي." عليا كانت تسمع وهي تبكي، مو بكي حزن، بل بكي "فرح" بتوبته. — عليا: "والله يا معتصم، فقر الدنيا ولا نار الآخرة. وأنا معك، لو نعيش ببيت طين وناكل خبز ويابس، المهم إنك صرت تخاف الله فيني وفي نفسك." الموقفُ المحرج: "طلبُ السماح" في لحظة من الصدق، نزل معتصم من كرسيه وجلس على الأرض قريباً من قدميها (بدون ما يلمسها)، وبكل انكسار: — معتصم: "عليا.. أنا ظلمتكِ. خليتكِ تنظفين وتتعبين وتنهانين وأنتِ بنت أصول. كنت أتعمد أذلكِ عشان أكسر طهركِ اللي كان يوجع ضميري. هل تقدرين تسامحيني؟ والله لو تبين تطلعين الحين وتطلبين الطلاق وترجعين لحياتك، لكِ الحق، وبعطيكِ كل اللي يرضيكِ." عليا (بطيبتها اللي بدأ يرجع): "تبي الصدق؟ تنظيف القدور كان يهد الحيل، والرخام اللي فركته بيدي لسا يألمني ماراح اسامحك الا لما تغسل كل القدور يلي في البيت " انطلقت ضحكاتهم بسعاده رغم توبته، إلا أن معتصم ظلت فيه خصلة "الغيرة"، لكنها تغيرت؛ صارت غيرة "حب واحترام" مو غيرة "تملك وسجن". في اليوم التالي، عليا كانت تبي تطلع للحديقة (لأول مرة بإذنه). كانت تلبس عبايتها ونقابها. معتصم وقف عند الباب، وبنفسه عدل لها طرحتها عشان تسترها أكثر. — معتصم (بابتسابية هادية): "اطلعي يا عليا.. تنفسي الهوى. بس تكفين، لا تبعدين عن عيني. صرت أخاف على هالنور اللي ببيتي أكثر من خوفي على روحي." واسترسل ببيت شعر من حفظه، لكن بنبرة كلها خشوع: > "أُغالِبُ فيكَ الشَوقَ وَالشَوقُ أَغلَبُ.. وَأَعجَبُ مِن ذا الهَجرِ وَالوَصلُ أَعجَبُ" > "كنتُ أحسبُ أني سجينُ هواكِ.. فإذا بي سجينُ ذنبي، وأنتِ طوقُ نجاتي." > ردت عليه عليا وهي واقفة عند عتبة الباب، ونور الشمس الصباحي يلامس عبايتها: — عليا: > "فَلَيتَكَ تَحلو وَالحَياةُ مَريرَةٌ.. وَلَيتَكَ تَرطى وَالأَنامُ غِضابُ" > "إذا صحّ منك الودّ يا معتصم فالكل سهلُ.. والمهم إنك رضيت ربي، قبل ما ترضيني." > التفاصيلُ المملة لـ "بدايةِ الحلال" بدأ معتصم وعليا رحلة "جرد البيت". صاروا يمشون في الغرف، معتصم يقرر وش القطع اللي اشتراها بمال "شبهة" عشان يبيعها ويتصدق بها. عليا كانت تساعده بالتفصيل الممل؛ تمسك "الفازات" الغالية، والتحف المذهبة، وتقول له: "هذي يا معتصم شكلها مبالغ فيه، بعها وخلنا نشتري بثمنها كراسي متحركة للمعاقين." كانوا يشتغلون مع بعض كأنهم "فريق"، معتصم يفرغ الصناديق وعليا تنظف المكان وراه، بس هالمرة برضا وطيب خاطر. في الليل، معتصم ناداها وقال لها: "عليا.. أنا قررت أروح السجن بكره. بقابل أبوكِ. مو عشان أتهاوش معه، بل عشان أطلب منه السماح وأقول له إن بنته في حفظي وأماني، وبحاول أساعده في قضيته بالحق،