الفصل 15
.
الفصل الخامس عشر: زلزلةُ الرُوحِ وَمَقامُ التَّوبَة
كانت ليلةً باردةً في الرياض، والهدوء في الفيلا لا يقطعه إلا صوت الرياح. معتصم كان جالساً في مكتبه، يحاول الهرب من صوت ترتيل عليا الذي يأتيه من القبو، حتى رنّ هاتفه بجنون. كان المتصل هو "مشاري"، صديقه الذي كان يشاركه السهر والاستهزاء بالقيم.
الساعة 1:00 صباحاً:
المتصل لم يكن مشاري، بل كان مسعفاً بصوتٍ يرتجف:
— "صاحب هذا الجوال تعرض لحادث مروع على طريق المطار.. هو في حالة نزاع، وما ينطق إلا باسمك، يقول "جيبوا لي معتصم"."
هرع معتصم بسيارته كالبرق، وصل للمستشفى، والرائحة هناك كانت رائحة الموت. في غرفة العناية المشددة، رأى منظراً جعل ركبتيه تخونه. "مشاري"، الرجل الوسيم القوي، كان عبارة عن أشلاء ممزقة؛ عظامٌ ناتئة من اللحم، وأطرافٌ مهشمة، وأجهزة تضخ في جسده حياةً توشك أن تنطفئ.
ارتمى معتصم بجانبه، أمسك بيده التي كانت باردة كالثلج. فتح مشاري عينيه بصعوبة، وكان يشهق شهقاتٍ تمزق الصدر، والدماء تسيل من فمه:
— مشاري (بصوت مبحوح يقطر رعباً): "معتصم.. معتصم الحقني.. أنا ضعت.. أنا ما صليت.. أنا كنت أستهزئ بالدين."
التفت مشاري للطبيب، وبدأ يصرخ بصراخٍ هز أركان المستشفى، صراخ إنسان يرى مقعده من النار:
— مشاري: "يا دكتور.. دخيلك لا تخليني أموت الحين! بس ساعة.. بس ركعة وحدة.. والله راح أصلي! والله يا رب راح أتوب! والله راح أتصدق بكل مالي! يا رب لا تأخذني وأنا كذا.. يا رب عطني فرصة!"
بدأ مشاري ينتفض، وأطرافه المهشمة تتحرك بعشوائية وهو يحاول القيام والسجود، لكن عظام ظهره المكسورة كانت تمنعه. نظر لمعتصم نظرة أخيرة، نظرة رعب لا تُنسى، ثم شهق شهقةً طويلة.. وانطفأ كل شيء.
...
عاد معتصم للفيلا وهو "جسد بلا روح". كان يرتجف، وصورة مشاري وهو يترجى ربه لركعة واحدة لا تفارق خياله. دخل الصالة، كانت عليا كالعادة ساجدة في محرابها الصغير في ركن الغرفة.
وقف معتصم بعيداً، ينظر لظهرها الساجد، ويسمع شهيقها وهي تدعو. سقطت سيجارته من يده، وسقط معها كبرياؤه. انهار على ركبتيه خلفها، وبدأ يبكي بصوتٍ مكتوم، بكاء الرجال الذي يهز الجبال.
عليا أحست بوجوده، أنهت صلاتها والتفتت بذعر، لتجد "الجبل" معتصم منكسراً على الأرض، يغطي وجهه بيديه وينتحب:
— معتصم: "عليا.. مات مشاري.. مات وهو يترجى ركعة.. مات وهو يصرخ "والله راح أصلي". أنا ضعت يا عليا.. أنا كيف بقابل ربي بكل هالسواد؟"
مقامُ التوبةِ والمواساة
عليا، ببرائتها وطهرها، لم تشمت، ولم تعاتبه. اقتربت منه ببطء، ظلت محتفظة بسترها، لكن صوتها كان بلسماً جرح قلبه:
— عليا (بصوت مخنوق بالدموع): "يا معتصم.. ربي يناديك. ربي يقول {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ}. ما فات الأوان يا معتصم.. أنت لسا تتنفس."
رفع معتصم رأسه، وعيونه محتقنة بالدم: "تفتكرين ربي يقبلني؟ وأنا اللي كنت أستهزئ بصلاتك؟ وأنا اللي ظلمتك وباعك أبوك عندي؟"
— عليا (بقوة وثبات): "ربي غفور رحيم.. قم توضأ يا معتصم، وطهر قلبك بالماء قبل روحك. قم، الفجر يبي يأذن، وخلك أنت اللي تأذن فيه بالبيت."
التدرج الممل: "الوضوءُ الأول"
قام معتصم كأنه طفل يتعلم المشي. دخل الحمام، وبدأ يتوضأ. كان يغسل يديه وهو يتأمل الماء، ويحس وكأن ذنوبه تتساقط مع كل قطرة. عليا كانت واقفة خلف الباب، تراقبه بقلبٍ يرفرف فرحاً.
بالتفصيل الممل، غسل وجهه، ومسح على رأسه، وكان يشهق مع كل ركن من أركان الوضوء.
خرج ووجد عليا قد فرشت له سجادة الصلاة القديمة (سجادة أمه التي كان يخبئها).
— عليا: "هذي سجادة أمك.. طهرها بدموع توبتك، وربي بيمسح اللي فات."
وقف معتصم على السجادة، رفع يديه وهو يرتجف، ونطق بأول "الله أكبر" تخرج من قلبه منذ سنين. صوته وهو يكبر كان يخرج من أعماقٍ محطمة. سجد.. وأطال السجود. كان يبكي في سجوده بصوت مسموع، وعليا خلفه تؤمن على دعائه بدموعٍ صامتة.
التغيرُ الشعري: "قوافي العودة"
بعد الصلاة، جلس معتصم على السجادة، ونظر لعليا التي كانت تجلس بوقار بعيداً عنه. نطق ببيت شعر، لكنه هذه المرة لم يكن للتحدي، بل للإنكسار لله ولها:
> "عَصَيْتُكَ رَبِّي مِهْلَةً بَعْدَ مِهْلَةٍ.. وَتَسْتُرُني عَفْواً وَتُغْدِقُ أَنْعُمَا"
> "فَهَا أَنَا ذَا بَابَ المَتَابِ أَنِيخُهُ.. غَرِيقاً بدمعي، نَادِماً، مُتَهَشِّمَا"
>
ردت عليه عليا، وهي تمسح دموعها بطرف جلالها، ببيتٍ يكمل توبته:
> "فَأَبْشِرْ فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ مَنْ أَتَى.. بَقَلْبٍ نَقِيٍّ لَا يُرِيدُ جَهَنَّمَا"
> "وَمَا كَانَ ذَنبٌ في الحياةِ بِمُهْلِكٍ.. إِذَا كَانَ رَبُّ العَرْشِ مَنْ يَتَرَحَّمَا"
. ا