الفصل 14
.
الفصل الرابع عشر: أنينُ الجسدِ وكبرياءُ الحجر
استمرت الأيام وعليا تبذل مجهوداً خرافياً في ظافة" القصر الذي لا ينتهي. معتصم كان يراقبها وهي تذبل أمام عينه لكنه يرفض أن يلين. الغيرة في قلبه مثل الجمر، يكره أنها قوية بالله، ويكره أنها لا تطلب منه شيئاً.
الساعة 3:00 عصراً: "
كانت عليا في المطبخ، تفرك بلاط الجدران بليفة خشنة ومنظفات قوية. كان عليها أن تصل للزوايا العالية وهي واقفة على كرسي. يدها بدأت ترتجف من التعب، وظهرها يؤلمها من انحناءات الصباح في تنظيف السجاد.
دخل معتصم المطبخ، وقف وسند ظهره على الباب، يراقب حركاتها "المملة" في التنظيف.
— معتصم ببرود: "ليش المطبخ لسا ما خلص؟ الساعة صارت ثلاث، وأنا أبي الغدا جاهز."
— عليا (وهي تعطي ظهرها له، وصوتها فيه بحة تعب): "أبشر.. بخلص هالجدار وأبدأ بالطبخ. بس ترا الأجسام لها حق، وما قد شفت إنسان يآمر بمثل أوامرك."
— معتصم (مشى وجلس على الطاولة القريبة منها): "أنا شريت جهدك ووقتك يا عليا.. لا تمنّين عليّ بشغلك."
عليا سكتت، ونزلت من الكرسي ببطء، لكن دوخة مفاجئة خلتها تترنح. مسكت طرف الطاولة بقوة عشان ما تطيح. معتصم فزّ لا شعورياً، مد يده يبي يسندها، لكنه تراجع في آخر لحظة وقبض يده بقوة.
— معتصم (بصوت جاف يغطي قلقه): "وش فيك؟ لا تمثلين التعب عشان تهربين من الشغل."
— عليا (رفعت رأسها، عيونها كانت ذابلة بس فيها بريق عزة): "ما أمثل.. الله أعلم بالحال. بس تدري؟ لو طحت، ربي بيقومني، بس أنت.. مين بيقوم حظك إذا انكسرت فيني؟"
المواجهة الشعرية: "عنادُ القلوب"
بالليل، وبعد ما خلصت كل الشغل، صعدت للغرفة بتثاقل. وجدت معتصم جالساً في الشرفة يراقب النجوم، وبيده كتابه القديم. ناداها بصوتٍ هادئ لكنه حاد:
— "عليا.. تعالي. قولي لي، وش تردين على قول الشاعر:
> "وَمَا كُنْتُ مِمَّنْ يَدْخُلُ العِشْقُ قَلْبَهُ.. وَلَكِنَّ مَنْ يُبْصِرْ جُفُونَكِ يَعْشَقِ"
>
عليا وقفت عند باب الشرفة، ما دخلت عنده، وظلت محتفظة بمسافة الحياء. ردت عليه فوراً، وكأنها كانت تنتظر هالمبارزة، ببيت شعر يحطم غروره:
— عليا:
> "تَمَنّيتَ أَن تَهوى فَذُق طَعمَ ما تَهوى.. فَقَد كُنتَ في جَهلٍ عَنِ الحُبِّ في سَلوى"
> "أنت يا معتصم تبي تذوق "طعم الهوى" وأنت قلبك مليان "جفاء". العشق يا سيد معتصم طهر، والظالم ما يعرف للطهر طريق."
>
تجمد معتصم مكانة. الكلمة دقت في مسماره. قام ومشى لجهتها، صار بينه وبينها خطوة وحدة، عيونه كانت تدور في ملامحها المستترة خلف النقاب:
— معتصم: "ظالم؟ أنا ما ظلمتك، أنا أخذتك من الفضيحة وسترتك."
— عليا: "الستر في القلب، مو في الجدران. أنت حابسني لأنك "تخاف" مني.. تخاف براءتي تغلب جبروتك."
في فجر اليوم التالي، عليا كانت تصلي في ركن الغرفة كالعادة. معتصم كان يراقبها وهو "متلحف" بسريره، يمثل النوم.
لما خلصت عليا صلاتها، بدأت تدعي بصوت مسموع خفيف وبكل براءة:
— عليا: "يا رب.. اهدِ قلب معتصم. يا رب أزل الغشاوة عن عينه. يا رب هو إنسان جريح، داوه بذكرك لا ببعاده عنك."
معتصم سمع الدعاء، وانفجر من الداخل. قام من السرير بعنف:
— "من قال لكِ تدعين لي؟! أنا ما أحتاج دعاءك! صلاتك خليها لنفسك!"
— عليا (قامت بهدوء ولمت سجادتها): "الدعاء بظهر الغيب مستجاب.. وأنا ما طلبت إذنك عشان أدعي لخالقي."
هنا وقع موقف محرج.. معتصم وهو يتحرك بعصبية، تعثر بطرف السجادة اللي كانت عليا لسا لافتها، وكاد يسقط. عليا مدت يدها بعفوية تمسك كمه عشان ما يطيح، وصار قريب منها جداً.
الغيرة والارتباك والحب المكتوم اللي يرفض يعترف فيه، كلهم اجتمعوا في عيونه.
— معتصم بهمس مرعب: "لا تلمسيني.. ولا تتدخلين بيني وبين ربي. أنتِ هنا عشان تنظفين "البيت"، مو "الروح"."
التدرج الممل: "عذابُ التفاصيل الدقيقة"
عقاباً لها على "تدخلها" في شؤونه الروحية، طلب منها اليوم تنظيف "نجف" الصالة الكبيرة. النجف مصنوع من آلاف القطع الكريستالية الصغيرة.
— معتصم: "أبي كل حبة كريستال تتفكك، تتغسل بخل وموية، وترجع تتركب. ما أبي ذرة غبار، ولا أبي "نقص" في القطع."
قضت عليا ٧ ساعات. تطلع السلم، تفك الحبة، تنزل تغسلها، تطلع تركبها. بالتفصيل الممل الذي يهدّ الحيل. كانت تمسح عرقها ببرد، وتستغفر.
معتصم كان جالس تحتها، يقرأ أوراقه، بس عينه ما فارقت ظلّها. كان يشوفها تتألم بصمت، وبداخله صرخة يبي يقول لها "خلاص انزلي"، بس كبرياءه كان أقوى.
في آخر اليوم، سقطت "قطعة كريستال" من يدها وانكسرت. عليا شهقت براءة وخوف: "يا ربي.. انكسرت!"
معتصم قام ووقف قدامها: "انكسرت؟ تدرين هذي بكم؟ تدرين وش عقاب اللي يخرب أغراضي؟"
— عليا (بشجاعة ومرح مكسور): "انكسرت مثل ما كسرت خاطري اليوم.. عوضها على الله. تبي تعاقب؟ عاقب.. أنا قدامك."
معتصم ناظر القطعة المكسورة، وناظر يدها اللي ترتجف، وبدل ما يصرخ، نطق بيت شعر بصوت حزين:
> "إِذا اِنكَسَرَ الزُجاجُ فَلا يُجلى.. وَإِنَّ الكَسرَ لا يُجنى بِلَحمِ"
> "روحي يا عليا.. روحي ارتاحي. والكسر هذا.. أنا اللي بجبره، بس مو الحين."
؟