طُفتُ في الآفاقِ حَتّى مَلَلتُها وَعُدتُ إِلى رُكني وَأَنتِ مَكانِيا - الفصل 13 - بقلم نور - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: طُفتُ في الآفاقِ حَتّى مَلَلتُها وَعُدتُ إِلى رُكني وَأَنتِ مَكانِيا
المؤلف / الكاتب: نور
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 13

الفصل 13

. الفصل الثالث عشر: ليلُ القوافي وهجيرُ الصبر بعد أن انتهت عليا من تضميد يد معتصم، ساد صمتٌ ثقيل لا يقطعه إلا صوت عقارب الساعة. معتصم كان يتأمل ملامحها المستترة خلف النقاب، وعيونه تحكي قصصاً من الوجع. نطق ببيت المتنبي عن "تكسر النصال"، فرفعت عليا رأسها بشموخ، وبدون أن تخرق حياءها أو تنظر لعينيه مباشرة، ردت عليه بصوتٍ واثق: — عليا: > "وَمَا نَيْلُ المَطَالِبِ بِالتَّمَنِّي.. وَلَكِنْ تُؤْخَذُ الدُّنْيَا غِلَابَا" > "ظننتَ يا معتصم أنك غلبتني بالقيد، وما دريتَ أن روحي حرةٌ بذكرِ خالقها، والقويُّ من ملكَ نفسهُ عند الغضب، لا من ملكَ الرقابَ" > انصدم معتصم من بلاغتها وقوة ردها. لم يتوقع أن هذه "الأسيرة" تملك سلاحاً أقوى من سلاحه. قام بحدة، وابتعد عنها وهو يزمجر بصوتٍ خافت: — معتصم: "حتى في لسانكِ سيفٌ يا عليا؟ عسى هذا السيف لا يرتدُّ لصدركِ يوماً." في الصباح، كان معتصم في قمة جفائه. قرر أن "يشغلها" لدرجة لا تجد فيها وقتاً لترتيب القوافي في رأسها. — معتصم: "بما إن البيت ما فيه خدامة، وأنا ما أحب الأجانب يدخلون حصني.. اليوم المطبخ والمخازن اللي وراه مسؤوليتك. أبي القدور تتجلى لين تصير "مراية"، وأبي جرد كامل لكل المؤن.. حبة حبة." بدأت عليا المهمة. دخلت المطبخ الواسع، وبدأت بالقدور الكبيرة (الستينلس ستيل). استخدمت مواد تنظيف قوية، وبدأت تفرك بالتفصيل الممل. حركة يدها كانت منتظمة، تفرك وتغسل، وتعيد الكرة. ساعتين وهي واقفة على رجليها، تعب ظهرها، لكنها كانت تهمس بآيات من سورة "طه" لتصبر نفسها. كان معتصم يمر من المطبخ، يراقب تعبها ببرود، لكنه كان يلاحظ أنها لا تشتكي. بينما كانت عليا تنظف رفوف المطبخ العالية، فزت على صوت "بوري" سيارة عند البوابة. من براءتها، حاولت تطل من طرف ستارة المطبخ عشان تشوف مين اللي جاء (باعتبارها زوجة والبيت بيتها). في ثانية، كان معتصم عندها. سحب الستارة بقوة لدرجة أنها كادت تسقط: — معتصم (بصوت يرجف غيرة): "وش تطلين عليه؟ كم مرة قلت لكِ لا تقربين من الشبابيك؟" — عليا (بكل ثبات ومرح): "يا دافع البلاء! كنت بشوف مين عند الباب، يمكن ضيف يفكنا من قعدتنا هذي. وبعدين أنا بنقابي، وش بيشوف مني الشارع؟" معتصم (حشرها بزاوية المطبخ، وعيونه تطلع شرار): "الشارع ما يشوفك، ولا أنتِ تشوفينه! أنتِ هنا ملكي، وظلك ما يمر من قدام رجال غريب!" واسترسل ببيت شعر يعبر عن غيرة "مجنون ليلى" التي تسكنه: > "أغارُ عليكِ من نفسي ومني.. ومنكَ ومن زمانكِ والمكانِ" > "ولو أني خبأتُكَ في عيوني.. إلى يومِ القيامةِ ما كفاني" > عليا (نزلت عيونها بخجل بريء وردت عليه فوراً ببيت شعر يكسر تملكه): > "إِذا لَم تَخْشَ عاقِبَةَ اللَيالي.. وَلَم تَستَحِ فَاصنَع ما تَشاءُ" > "تغارُ عليّ من الهوى يا معتصم، ولا تغارُ على نفسك من غضبِ الجبار؟ القيدُ في اليدِ ينفك، لكن القيدُ في الروحِ من يفكّه؟" > — معتصم ببرود : "أبي كل قطعة كريستال تنغسل بماء وملح وتتنشف بقطعة مخمل. حبة حبة يا عليا.. وأي خدش بسيط، بتعيدين المستودع كله." قضت عليا ٤ ساعات في المستودع البارد. كانت تمسك الكأس الكريستال الرقيق، تغسله بعناية، وتلمعه بالتفصيل الممل. كانت حذرة جداً لأنها "صاحبة قيم" وتخاف تكسر حلال غيرها. كان معتصم يراقبها من خلال الباب المفتوح جزئياً، يشوف كيف تتعامل مع الكريستال برقة، ويحس إنها قاعدة تلمس "قلبه" مو الكأس. في الليل، لما جاء وقت العشاء، عليا طبخت "جريش" (أكلة شعبية تأخذ وقت وجهد). حطت السفرة ومعتصم جلس. — معتصم: "ليش الجريش اليوم مالح؟" — عليا (بابتسامة مرحة): "يمكن لأن دموعي طاحت فيه وأنا أكرف من الصبح.. ولا يمكن لأن ذوقك صار "مرّ" بزيادة. كل وأنت ساكت، ترا التعب هادّ حيلي." معتصم أكل وهو ساكت، وبداخله كان مستمتع بطعم أكلها وبوجودها. لما خلص، ناداها لغرفته (حيث تجبر على المبيت على الكنبة). رمى لها ورقة صغيرة على الكنبة، كان حافظ فيها بيت شعر للأصمعي: > "أَلا لَيْتَ رِيحَاً بَيْنَنا مُسْتَدِيرَةً.. تُدِيرُ عَلَيْنَا مِنْ هَوَاكِ رَوائِحَا" > عليا قرأت البيت، وبدون ما يرف لها جفن، أخذت قلم من مكتبه وردت تحت البيت ببيت شعر للفرزدق: > "فَإِنَّكَ لَو طَلَبتَ عِزَّ بَني تَميمٍ.. بِأَطرافِ النُجومِ لَما نِلتاها" > "عزي بالله وبحيائي يا معتصم، وأنت لو تطلب ودي بغير "تقوى"، لو تطول النجوم ما نلته." > تركت الورقة ونامت وهي متغطية بجلالها. معتصم أخذ الورقة، قرأ ردها، وحس بحرارة الكلمات. "بغير تقوى ما نلته". بدأ يفهم إن "عليا" قلعة ما يفتحها الشعر ولا القوة، ما يفتحها إلا "السجود" لرب العالمين. ؟