طُفتُ في الآفاقِ حَتّى مَلَلتُها وَعُدتُ إِلى رُكني وَأَنتِ مَكانِيا - الفصل 12 - بقلم نور - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: طُفتُ في الآفاقِ حَتّى مَلَلتُها وَعُدتُ إِلى رُكني وَأَنتِ مَكانِيا
المؤلف / الكاتب: نور
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 12

الفصل 12

. الفصل الثاني عشر: ليلُ القصيد وحصارُ العناد مرّت ليلة الوجبة الفخمة بصمت، عليا صحيت الفجر ولقت الأكل عند رأسها، ابتسمت بمرارة وقالت في نفسها: "يطعمني بيد ويضربني بالثانية.. الله يهديك يا معتصم". قامت توضت وصلت، وصوت ترتيلها كان يملأ أركان الغرفة اللي تفوح بريحة سجائر معتصم اللي ما نام، كان يراقبها وهي ساجدة، ويسترجع في باله أبيات للمتنبي تناسب حالته معها. الساعة 9:00 صباحاً: نزل معتصم للصالة، كان لابس ثوبه الرسمي وشماغه، وشكله يرهب. نادى عليا بصوت جهوري: — "عليا! تعالي هنا!" نزلت عليا وهي لافة جلالها، ملامحها هادية رغم التعب: "نعم.. وش وراك اليوم؟" — معتصم ببرود: "المكتبة اللي في الدور الثالث.. أبيكِ تفرغينها "كتاب كتاب"، وتمسحين الرفوف بماء ورد ومسك، وترجعين ترتبينها حسب الحروف الأبجدية. وأي كتاب ألقاه في غير مكانه.. بتعيدين المكتبة كلها." بدأت عليا المهمة ". المكتبة كانت ضخمة، وآلاف الكتب مرصوصة. بدأت تطلع الكتب، تنفخ الغبار عنها ، وتمسح الرف ببطء. كانت تلمس الكتب وتشوف عناوينها، أغلبها عن القانون، والتجارة، ودواوين شعر قديمة. بعد ساعات، دخل معتصم المكتبة يبي يتفحص الشغل. شاف عليا واقفة على السلم الخشبي العالي، وماسكة ديوان "قيس بن الملوح"، وشعرها الطويل نازل على كتفها وهي تقرأ بتمعن وابتسامة على وجهها. فز قلبه من المنظر، بس كابر. تنحنح بقوة: — معتصم: "أنا جايبك تشتغلين ولا تقرين قصة ليلى والمجنون؟" — عليا (التفتت له وهي فوق السلم، ملامحها فيها مرح): "والله يا معتصم، الكلام اللي هنا يلين الصخر.. غريبة ما لين قلبك وأنت حافظه؟" مشى معتصم ووقف تحت السلم مباشرة، رفع راسه لها، وعيونه فيها نظرة تملك غريبة. وبدون مقدمات، استرسل بحفظه لبيت شعر لـ "ابن الفارض" وهو يناظر عيونها: > "وَلَقَد جَعَلتُكَ في الفُؤادِ مُحَدِّثي.. وَأَبَحتُ جِسمي مَن أَرادَ جُلوسي" > "فَالجِسمُ مِنّي لِلجَليسِ مُؤانِسٌ.. وَحَبيبُ قَلبي في الفُؤادِ أَنيسي" > سكتت عليا، الكلام كان قوي ومباشر. نزلت عيونها بخجل بريء: — عليا: "حلو.. بس اللي في الفؤاد يا معتصم لازم يصدقه الفعل. أنت حابسني ومعذبني، وتقول لي "حبيب قلبي"؟" معتصم هز السلم خفيف بيده (عناداً): "انزلي بس كملي شغلك، ولا يكثر هرجك. وما فيه طلعة من هالمكتبة لين تخلصين الحروف كلها." في العصر، معتصم طلب منها تبخر ملابسه الرسمية لأنه عنده اجتماع مهم بالليل. عليا دخلت غرفة الملابس، وبدأت تبخر "البشوت" والـثياب. براءتها خلتها تمسك ثوبه وتشم ريحته.. كانت ريحة عطر فرنسي بارد مخلوط بعود. فجأة دخل معتصم وشافها ماسكة ثوبه وقريبة منه. ارتبكت عليا ووجها صار أحمر: "أنا.. أنا بس كنت أتأكد من ريحة البخور!" معتصم ابتسم ابتسامة سخرية وقرب منها، حشرها بين دواليب الملابس: — معتصم: "عجبتك الريحة؟ ولا تبين تشمين ريحة "صاحب الثوب"؟" عليا (بدأت تدافع عن نفسها بمرح): "تخسى! ريحتك كلها دخان وهمّ.. أنا بس خايفة أحرق الثوب وأبتلش فيك." قرب منها أكثر، سحب طرف شماغه اللي في يدها، وبهمس: "تدرين يا عليا.. لو أدري إنك تفكرين فيني ربع اللي أفكر فيك.. كان هديت هالبيت وسكنتك في عيوني. بس أنتِ عنيدة." .. — معتصم: "المصعد قزاز.. وأبي كل بصمة تروح. بتقعدين فيه وتطلعين وتنزلين لين يلمع." قضت عليا ساعتين في المصعد، تطلع وتنزل، وتمسح القزاز بالتفصيل الممل. كانت تحس بدوار من الحركة، ومعتصم كان يراقبها من الشاشة الخارجية للمصعد وهو جالس في الصالة يشرب قهوة. كان يشوف تعبها، ويشوف كيف تمسح عرقها بطرف جلالها، وبداخله صراع.. يبي يروح يمسك يدها ويقول لها "خلاص"، بس كبريائه يمنعه. " في الليل، جاء "خالد" ومعاه أوراق قضية أبوها. عليا كانت في المطبخ تسوي شاي. سمعت خالد يقول: — "معتصم، القضية تعقدت.. أبو عليا يقول إنه عنده أدلة إن أبوك هو اللي بدأ الحريق." سمعت صوت تحطم كاس في الصالة. ركضت لقت معتصم واقف ويده تنزف، وعيونه فيها جنون. — معتصم (بصراخ) : "يكذب! الكلب يكذب! هو اللي قتلهم! هو اللي يتمتني!" خالد بعد وقت راح ومعتصم التفت وشاف عليا واقفة عند باب المطبخ، دموعها تنزل بصمت وبراءة. — معتصم (مشى جهتها ومسك كتفها بعنف): "تشوفين؟ تشوفين أبوك وش قاعد يسوي؟ يبي يقتلني مرتين! مرة وأنا طفل، ومرة وأنا رجال!" عليا (بصوت يرجف وقوة): "أبوي في السجن، وما يملك إلا لسانه.. لكن أنت تملكني أنا! إذا كان هو ظلمك، ليش تظلمني بذنبه؟ ليش تخليني أدفع ثمن نار مالي يد فيها؟" معتصم سحبها لغرفته وقفل الباب، وجلس على الأرض ينهج من الغضب. عليا راحت وجابت صندوق الإسعافات الأولية، وبكل هدوء وبرودة أعصاب، بدأت تعقم جرح يده. كان يراقب أصابعها وهي تلمس جرحه.. وبدون وعي منه، نطق ببيت شعر لـ "المتنبي" وهو يتألم: > "رَماني الدَهرُ بِالأَرزاءِ حَتّى.. فُؤادي في غِشاءٍ مِن نِبالِ" > "فَصِرتُ إِذا أَصابَتني سِهامٌ.. تَكَسَّرَتِ النِصالُ عَلى النِصالِ" > — عليا (وهي تلف الشاش على يده): "سلامة فؤادك يا معتصم.. بس السهام اللي بقلبك، أنت اللي غارسها، مو أبوي."