الفصل 8
.
الفصل الثامن: تراتيلُ الظلامِ والقصيد
كانت الممرات الطويلة في الفيلا غارقة في عتمة موحشة بعد ما قفل معتصم كل الستائر الإلكترونية. عليا كانت تمشي بشموخ، بيدها شمعة يتراقص نورها الضعيف على جدران الرخام الباردة. لم تكن تغني، بل كان صوتها العذب ينساب في أرجاء البيت بترتيلٍ يبكي الحجر:
— "وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مخرجاً.. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ"
كان معتصم يراقبها من شاشة مكتبه "الليلية"، يشوفها كيف تمسح البراويز بدقة مملة، ما تترك زاوية إلا وتطهرها. صوتها كان يزلزل حصونه، كان يحس إن الآيات موجهة له، لقلبه اللي صار مثل الحجر.
فجأة، وبسبب تيار هوائي من التكييف المركزي، انطفأت الشمعة!
ساد ظلام دامس، ظلام يخلي الواحد ما يشوف كفه. عليا، رغم قوتها، تجمدت مكانها. هي عندها فوبيا قديمة من الظلام الدامس المرتبط بذكريات سيئة من طفولتها.
— عليا بهمس يرجف: "يا رب.. يا رب كن معي."
سقطت منها أدوات التنظيف، وجلست على الأرض، ضمت ركبها لصدرها وبدأت ترتجف. لم تصرخ، براءتها وعزة نفسها تمنعها تناديه، لكن أنفاسها المتهدجة كانت واصلة لمكتبه.
معتصم، أول ما شافها سقطت في الكاميرا، فز قلبه قبل جسمه. ركض في الممرات وهو يشغل كشاف جواله. وصل عندها، شافها كتلة صغيرة منكسرة على الأرض، شعرها الطويل مغطي وجهها وهي ترتجف.
انحنى لمستواها، ولأول مرة، نبرة صوته كانت فيها "بحة" حنين مو قسوة:
— معتصم: "عليا.. قومي."
عليا بدون ما تحس، مسكت في كمه بقوة: "لا تتركني هنا.. الظلام يوجعني يا معتصم."
في هذي اللحظة، معتصم أحس بضعفه قدام براءتها. شالها بيدينه القوية، كانت خفيفة كأنها ريشة. أخذها لغرفته، الغرفة الوحيدة اللي كانت فيها إضاءة خافتة من أجهزة الكمبيوتر.
"عنادُ المبيت" وقصيدةُ الاعتراف
حطها على السرير (عناداً فيها عشان تظل قريبة منه)، وجلس على طرف السرير بعيد عنها شوي. عليا بدأت تستعيد أنفاسها، ومسحت دموعها بسرعة:
— عليا: "ليش تسوي كذا؟ ليش تحب تشوفني خايفة؟"
— معتصم (طلع دفتر صغير من جنبه، كان يكتب فيه): "ما أحب أشوفك خايفة.. أحب أشوفك "محتاجة" لي. أنتِ يا عليا جبل، وأنا أبي أهدّ هالجبل عشان تسكنين في واديي."
فتح الدفتر، وبدأ يقرأ لها أبيات عدلها خصيصاً لها، وصوته كان كأنه ناي حزين:
> "يَا نُورَ فجرٍ في ظلامِ مَسَاكِني.. رِفقاً بقلبٍ قَد طَغى وَتجبّرا"
> "صَلّي لربي، إنّ فيكِ ملامِحاً.. تَجلو الهُمومَ وتجعلُ المُرَّ سُكّرا"
> "أنا ذلكَ العاصي الذي في عَينِكِ.. يرجو النجاةَ، وفي يَديكِ تَقَرّرا"
>
عليا انصدمت.. معتصم، الرجل اللي يذلها بالنهار، يكتب فيها هالكلام في الليل؟
— عليا (بصوت مخنوق): "كلامك حلو.. بس فعلك مرّ يا معتصم. وش فايدة الشعر إذا كانت يدك تظلم، وقلبك بعيد عن اللي خلقك؟"
— معتصم (قفل الدفتر بحدة وعادت ملامحه قاسية): "نامي يا عليا. نامي ولا تكثرين حكي. بكره وراك تنظيف السور الخارجي.. من الداخل طبعاً."
في الصباح، طلعت عليا تنظف السور الداخلي للحديقة. الجو كان غبار، وهي لابسة كمامتها ونقابها وتفرك الحجر.
الحرس كانوا واقفين عند البوابة، شباب سعوديين لابسين بدلات سوداء رسمية. واحد منهم (اسمه ناصر) كان جديد، وشافها وهي تعاني بفرك حجر السور، تقدم خطوة يبي يساعدها أو يعطيها علبة موية.
— ناصر: "يا أختي، هاتي عنك.. الجو متعب اليوم."
قبل ترد ا، طلع معتصم من الباب الرئيسي للفيلا كأنه إعصار.
— معتصم بصوت زلزل الحديقة: "نااااااصر! ارجع مكانك!"
ركض جهة عليا، سحبها من يدها ودخلها داخل، والتفت للحرس:
— معتصم: "اللي يكلمها، أو يطالع في ظلها، اعتبروا رزقه انقطع من هالشركة ومن هالدنيا! فاهمين؟"
دخل الفيلا وهو يجرها خلفه، وصل للصالة ورمى "الغترة" على وجهها:
— معتصم: "وش جالس يقول لك؟ وش كنتِ بتأخذين منه؟"
— عليا (بكل براءة ومرح ممتزج بقهر): "والله الرجال بس بغى يعطيني موية! أنت مريض؟ أنت حتى الهوا تغار منه؟ وبعدين أنا مغطاة، وش شاف مني؟"
— معتصم (قرب منها لدرجة إن جبهته لامست جبهتها): "إي مريض فيكِ! وما أبي حتى ذرة غبار تلمسك غيري. مفهوم؟"
اكتشافُ السر (بالتدرج)
في الليل، وبينما كان معتصم في "اجتماع فيديو" مع ناس برا المملكة، عليا كانت تنظف مكتبه (بأمره). وهي تمسح الطاولة، طاح ملف من الدرج السري اللي كان شبه مفتوح.
فتحت الورقة.. كانت "كشف حساب" قديم، وفيه مبالغ ضخمة محولة لاسم "أم مشعل" (أمها اللي توفت وهي صغيرة).
تجمدت عليا.. "أمي؟ ليش معتصم كان يحول فلوس لأمي قبل عشر سنين؟"
سمعت صوت خطواته تقترب من المكتب..