الفصل 6
الفصل السادس: غسق الروح
استيقظت عليا مع أذان الفجر، لكنها لم تجد نفسها في "القبو" البارد. فتحت عيونها ببطء لتجد نفسها في غرفة واسعة، سقفها عالي، وإضاءتها خافتة جداً. كانت رائحة الغرفة غريبة.. مزيج من العود الفاخر ورائحة السجائر المكتومة.
فزت من السرير وهي تلملم جلالها: "أنا وين؟"
التفتت لتجد معتصم جالساً على كرسي جلدي في زاوية الغرفة، لا يزال بثوبه، وعيونه محتقنة بالدم كأنه لم ينم. كان ينظر إليها بنظرة حادة، خالية من أي ليونة.
— معتصم بصوت رخيم: "لا يروح بالك بعيد.. شلتك من المستودع لأن ريحة الكيماويات هناك كانت بتخنقك وتموتين في بيتي وتسوين لي قلق مع الشرطة. قومي، الفجر أذن.. والبيت يحتاج شغل."
عليا، رغم صدمتها ورغم أن قلبها "كره" فيه جفوته وقسوته حتى وهو منقذها، قامت بشموخ:
— "لا تخاف، ما بموت في بيتك.. الموت راحة وأنا لسا وراي شغل "تأديبك". بس تدري؟ حتى وأنت تحاول تكون إنسان، تطلع وحش."
طلعت من الغرفة وتركته يغلي. نزلت للمطبخ، بدأت تسوي قهوتها وهي "تتحلطم" بصوت خفيف، روحها المرحة بدأت تطلع رغم الوجع:
— "يا ربي، هذا معتصم لو هو جدار كان لان.. يا رب اعطني الصبر، شكلي بكفر عن سيئات الأمة كلها بسببه."
بدأ يوم جديد من "الكرف". معتصم طلب منها اليوم تنظيف "المخزن العلوي"، وهو مكان مليء بالصناديق القديمة والغبار.
— معتصم: "أبي كل صندوق يفتح، يتمسح، ويتسجل وش فيه بجدول في هذا "الآيباد". وأي ورقة تضيع، يا ويلك."
بدأت عليا المهمة. كانت الصناديق ثقيلة جداً. بدأت تفتح الصندوق الأول؛ كان مليئاً بملابس أطفال قديمة، لكنها "محروقة" الأطراف.
مرت ساعة.. ساعتان.. وهي تمسح قطعة قطعة بالتفصيل الممل. كانت تلمس القماش المحروق وتتساءل: "ليش إنسان عنده كل هالخير يكره أهله؟ وش اللي صار؟"
دخل معتصم فجأة، شافها ماسكة "برواز" صورة مكسور ومحروق. كان فيه صورة لرجل يشبه معتصم لكن ملامحه شريرة.
هجم معتصم وسحب البرواز من يدها:
— "قلت لك سجلي اللي تشوفينه وبس! لا تدققين في الصور!"
— عليا (وقفت ومسحت الغبار عن وجهها ببراءة): "ليش خايف؟ هذا أبوك؟ ليش حارق صوره؟"
— معتصم بمرارة وقوة تزلزل المكان: "هذا مو أبوي.. هذا "الظالم" اللي حرمني من أمي وأنا طفل. هذا اللي كان يضربها قدامي لين ماتت، والناس تقول "هذا تأديب". عرفتِ ليش أكره العوائل؟ ليش أكره الجمعات؟ لأن تحت كل "ستر" فيه فضيحة وقهر."
عليا تجمدت. كرهها له ما منعها تحس بوجع في قلبها، لكنها ردت بقوة:
— "أبوك كان ظالم، صح. بس أنت الحين صرت نسخة منه.. هو ظلم أمك، وأنت تظلمني. وش الفرق بينكم يا معتصم؟"
تركها وخرج، صفع الباب وراه لدرجة إن الغبار تطاير في كل مكان.
موقف محرج: "اتصال السجن"
في العصر، وبينما كانت عليا في المطبخ، رن جوال البيت. ردت، وكان "مأمور السجن".
— المأمور: "يا أخت عليا، الوالد تعب ونقلوه للمستشفى، ويطلب يشوفك.. زوجك معتصم بيه وقع على تصريح الزيارة، تقدرين تروحين الحين."
عليا انصدمت. معتصم وقع التصريح؟ متى؟
طلعت للصالة شافته جالس يقرأ أخبار المال والأعمال.
— عليا: "أنت وقعت لي زيارة لأبوي؟ ليش ما قلت لي؟"
— معتصم (بدون ما يرفع عينه): "عشان ما تعيشين دور الضحية زيادة. السواق برا، خذي نص ساعة وارجعي. وإذا تأخرتِ دقيقة، التصريح الجاي بيتحول لمنع دائم."
عليا ركضت تلبس عبايتها. كانت مرتبكة، فرحانة وبنفس الوقت كارهة إن "جميله" صار عليها. وهي تلبس نقابها، علق الخيط في حلقها.
— عليا: "أوه.. يا ربي.. معتصم! تعال فكني!"
جاء معتصم، وقف قدامها. كان الموقف "محرج" جداً. كان يده تلامس خيط نقابها عند رقبتها، كان قريباً جداً لدرجة إنها شمت ريحة عطره القوية.
— معتصم بهمس: "حتى في أبسط الأشياء، عاجزة يا عليا."
— عليا (بإصرار ومرح مكتوم): "مو عاجزة، بس أنت "مربطني" بطلباتك لين صرت ما أشوف دربي."
فكها، وناظرها بنظرة غريبة.. كانت أول مرة يطول فيها النظر لعشر ثواني كاملة.
العذاب المتجدد: "برود المشاعر"
لما رجعت عليا من السجن، كانت منهارة لأن حالة أبوها سيئة. كانت تبكي بصمت في المطبخ وهي تغسل الخضار.
دخل معتصم، وبدل ما يواسيها:
— معتصم: "خلصتِ الدراما؟ أبي العشاء اليوم "سمك"، وأبي تنظيف المطبخ بعده بـ "البخار" عشان تروح الريحة. لا أشوف دمعة وحدة تطيح في الأكل."
عليا مسحت دموعها، وناظرته بكره حقيقي هالمرة:
— "أنت إنسان خالي من الرحمة.. ربي بيعوضني، وأنت بتبقى وحيد في قصرك هذا لين تاكلك الكآبة."
بدأت تنظف السمك.. رائحة السمك كانت تزعجها وتخليها تحس بغثيان، ومعتصم كان يدري، وتعمد يطلب هالطلب عشان يكسر "لحظة الضعف" اللي عاشتها في السجن. قضت ٤ ساعات تنظف المطبخ، يدها صارت حمراء من البخار والمواد، ومعتصم يراقبها ببرود، لكن داخله كان فيه بركان يغلي من "الغيرة" من فكرة إنها ممكن تترك بيته في يوم من الأيام.
؟