الفصل 4
الفصل الرابع: غيرةٌ تحت الرماد
مرّ أسبوع آخر، كانت الرياض تشهد عواصف غبارية مكتومة، تماماً كالأجواء داخل الفيلا. عليا استمرت في برنامجها الصارم؛ تستيقظ قبل الفجر، تتوضأ، تصلي وتطيل السجود، وصوت ترتيلها الهادئ كان يخترق جدران الفيلا الباردة ليصل لمسامع معتصم الذي كان يتقلب في فراشه، يهرب من صوت القرآن بوضع وسادته فوق رأسه، لكن الكلمات كانت تتسلل لروحه رغماً عنه.
الساعة 7:00 صباحاً
نزلت عليا للمطبخ، كانت تلبس جلال صلاتها الساتر. بدأت تحضر الفطور لمعتصم؛ بيض عيون، زيتون، خبز بر، وشاهي بالنعناع. كانت دقيقة جداً في ترتيب السفرة، ليس طاعة له، بل لأنها "عليا" التي لا تقبل النقص في عملها.
دخل معتصم المطبخ، كان لابساً ثوبه وشماغه، مستعداً للدوام. وقف يراقبها وهي تعطي ظهرها له.
— معتصم بصوت حاد: "البيت ريحته كلوركس.. خففي المنظفات، كتمتينا."
— عليا (بدون ما تلتفت): "البيت كان يحتاج تطهير، مو بس تنظيف. والفطور جاهز، سمّ بالله وكل."
— معتصم: "قلت لك مليون مرة.. لا تتدخلين في ديني. صلاتك لك، ومعاصيي لي."
جلس ياكل، كانت عليا تتحرك في المطبخ بخفة، لكن عينه كانت تلاحقها. رغم نقابها الذي لا تنزعه أمام أحد، ورغم لباسها الواسع، إلا أن هيبتها وقوة شخصيتها كانت "تستفزه" وتجذبه في آن واحد.
الصديق الناصح: خالد
في مكتب معتصم بالشركة، دخل عليه صديقه الروح بالروح خالد. خالد هو الشخص الوحيد الذي يعرف سر معتصم، وهو النقيض تماماً؛ رجل متزن، محافظ، ويحاول دائماً سحب معتصم من مستنقع الكآبة.
خالد لاحظ سرحان معتصم:
— "وش فيك يا معتصم؟ ملامحك ما تبشر بخير. البنت اللي خذتها.. وش سويت فيها؟"
— معتصم بضيق: "موجودة.. تنظف وتطبخ. بس يا خالد.. البنت ذي "جبل". ما تكسرها كلمة، ولا يكسرها شغل. وأبوها.. كل ما شفت وجهها أتذكر وش سوا فينا زمان، وأزيد عليها العيار."
— خالد (تنهد بأسى): "يا معتصم، البنت مالها ذنب بجريرة أبوها. سامح يا ابن الحلال، الماضي مات، وأهلك الله يرحمهم ما راح يرجعون بالانتقام. عليا ممكن تكون هي مخرجك من هالظلام، بس أنت أعمى."
— معتصم (ضرب الطاولة): "ما تطلع من ذمتي إلا وهي مكسورة! أنا شريتها بفلوسي عشان أطفي النار اللي بصدري."
الموقف المحرج: عامل الصيانة والغيرة المشتعلة
في العصر، رجع معتصم للبيت فجأة لأنه نسي ملفات مهمة. دخل وشاف سيارة صيانة "المصاعد" عند الباب. جن جنونه.
دخل الفيلا وشاف عليا واقفة في الصالة، لابسة عبايتها ونقابها بالكامل، وتشرح للعامل (شاب أجنبي) وين الخلل في المصعد.
معتصم ما قدر يمسك نفسه. رغم إنه "عاصي" وما يصلي، إلا أن دمه "غار" على زوجته.
— معتصم بصراخ: "أنت! وش جيبك هنا؟ ومن سمح لك تدخل؟"
— العامل بارتباك: "المدام اتصلت بالشركة، قالت المصعد معلق.."
— معتصم سحب العامل من ياقة قميصه وطلعه برا الفيلا بعنف: "برا! ولا أشوف رقعة وجهك، الحساب بيوصلكم للشركة!"
التفت لعليا، عيونه كانت تطلع شرار، قرب منها وهزها من كتفها:
— "كيف تدخلين رجال غريب البيت وأنا مو فيه؟ نسيتي إنك "حرمة" معتصم؟"
— عليا (نزعت يده بقوة ونظرت له بتحدي): "ما نسيت، بس المصعد خربان وأنا محبوسة في البيت كأني في سجن. وبعدين أنا واقفة بنقابي وستري، وش اللي حرق دمك؟ ولا أنت "ديوث" في الصلاة و"عنتر" في الغيرة؟"
الكلمة هجمت عليه كالصاعقة. "عنتر في الغيرة".
معتصم شد على يده، كان وده يصرخ، بس سكت. الغيرة ذي كانت أول علامة إن عليا بدأت "تتغلغل" في جوفه بدون ما يدري.
التدرج الممل في "كسب المساحة"
بالليل، بدأت عليا خطة جديدة. قررت إنها ما تسكت عن "الغرفة المقفولة".
بينما كان معتصم جالس في الحديقة يدخن "شيشة" وهو يفكر في كلام خالد، طلعت عليا وجلست في الجهة المقابلة له، بعيدة عنه بمسافة.
بدأت تسولف بصوت هادي، مو عن المشاكل، بل عن "الماضي".
— عليا: "تدري يا معتصم.. السجادة اللي بغرفتك، اللي عليها دم.. أنا شفتها."
معتصم تجمدت يده، ونظر لها بنظرة مرعبة: "قلت لك لا تدخلين.."
— عليا قاطعته: "أبوي كان دايم يقول إن فيه أمانة ضيعها زمان.. هل أنت "الأمانة" يا معتصم؟ هل الدم هذا دم أمك؟"
قام معتصم فجأة، طفى الشيشة، ومشى جهتها. عليا ما تحركت، ظلت ثابتة. وقف فوق رأسها، وظله غطى المكان.
— معتصم بهمس يرجف: "أبوك مو بس ضيع أمانة.. أبوك هدم بيت كامل. والحين، قومي سوي لي عشاء، ولا تفتحين هالسيرة مرة ثانية.. وإلا قسماً بالله يا عليا، الغيرة اللي شفتيها اليوم بتتحول لـ "نار" تحرقك أنتِ وأبوك في سجنه."
مشهد عذاب يومي (بالتفاصيل)
دخلت عليا المطبخ، وكان عليها تغسل "قدور" كبيرة جداً استخدمتها للوليمة اللي طلبها الصبح. كانت القدر ثقيلة، والموية باردة لأن السخان خرب (بفعل فاعل، معتصم قطعه عنها عقاباً على دخول العامل).
كانت تفرك القدر، يدها صارت زرقاء من البرد، وتنافض من التعب. معتصم كان يراقبها من الكاميرا في جواله، كان يشوف قوتها وهي ترفض تطلب منه المساعدة.
أحس بغصة، بس كابر.