الفصل 2
الفصل الثاني: صراع الجبابرة
أشرقت شمس الرياض لليوم الأول، تسللت خيوطها من النوافذ الزجاجية الضخمة لفيلا معتصم، تلك الفيلا التي كانت أشبه بمتحف بارد لا روح فيه. عليا لم تنم، قضت ليلتها بين سجادتها ودموعها، لكن مع أول خيط ضوء، قامت ومسحت دموعها بعنف. هي ليست من النوع الذي ينكسر، هي "عليا" التي كانت تهز الجامعة بحضورها، ولن يسمح لـ "شاري بشر" أن يكسرها.
خرجت من غرفة القبو، كانت تمشي بشموخ رغم تعبها. توجهت للمطبخ الواسع الذي كان مجهزاً بأحدث التقنيات. بدأت تبحث عن مكنسة، عن منظفات، لكنها قررت أن تبدأ بـ "المواجهة".
في الدور العلوي، خرج معتصم من غرفته مرتدياً "روب" كحلي فخم، شعره مبعثر وعيونه التي يغلفها الغموض كانت حمراء من السهر. وقف عند حافة الدرج ونظر إليها بالأسفل:
— "ليش واقفة؟ البيت ما بينظف نفسه. أبي القهوة في المكتب خلال خمس دقائق، وبعدها تبدأين في صالة الاستقبال.. أبيها تلمع."
عليا رفعت رأسها، وبعينين تتحدى جبروته قالت بصوت ثابت:
— "القهوة بسويها لأن كرمي يفرض علي أضيف "الضيف" في بيته، أما التنظيف.. فـ "معتصم بيه" لازم يعرف إني زوجته شرعاً وقانوناً، وإذا يبي خادمة، المكاتب تارسة البلد. أنا هنا عشان "أدبّك" وأعرفك إن بنات الناس مو سلعة."
نزل معتصم الدرج بخطوات بطيئة مرعبة، وقف أمامها مباشرة، كان طويلاً جداً مقارنة بها، لكنها لم تتراجع سنتيمتراً واحداً.
— "أدبّيني؟" قالها بضحكة ساخرة مريرة، ثم فجأة تحولت ملامحه للقسوة: "عليا.. أنتِ هنا لأن أبوك باعك عشان ما يروح ورا الشمس، وأنا دفعته له ثمن "سكوت"، يعني أنتِ ملكي. والحين.. قدامي على المطبخ."
المواقف المحرجة (كسر الخشوم)
بدأت عليا "مهمتها" بذكاء. معتصم كان إنساناً مهووساً بالنظام (OCD)، وكل شيء في بيته يجب أن يكون بالملي.
بينما كان هو في مكتبه يتابع صفقاته المشبوهة وغسيل الأموال، كانت عليا تنظف الصالة. تعمدت أن تغير أماكن تحفه الثمينة، وضعت عطر "بخور" قوي جداً وهي تعرف من رائحة بيته أنه يفضل الروائح الباردة "السيدار".
خرج معتصم وهو يكح من قوة البخور:
— "وش ذا القرف؟! قلت لك نظفي، ما قلت اقلبي البيت مشبب!"
ردت وهي تمسح الطاولة ببرود: "والله البيت ريحته كانت "كآبة"، قلت أغير جو.. وبعدين هذا بخور أصلي، بس الظاهر ذوقك "مودرن" زيادة عن اللزوم."
جاء وقت الغداء، معتصم جلس على الطاولة الكبيرة ينتظر. عليا طبخت "كبسة" لكنها وضعت فيها كمية فلفل "شطة" غير طبيعية، وهي تعلم أنه يكره الأكل الحار من قائمة طعامه الموجودة في المطبخ.
أول لقمة أخذها معتصم، وجهه صار أحمر، وعيونه دمعت. ضرب الطاولة بيده:
— "أنتِ تبين تموتيني؟ وش ذا الفلفل؟"
عليا وهي تاكل ببرود (لأنها متعودة على الحار): "أوه، نسيت أقول لك.. في بيتنا اللي يحب يآمر، لازم يتحمل "حرارة" الأوامر. تبي تاكل؟ اطبخ لنفسك المرة الجاية."
التعذيب النفسي والغموض
جن جنون معتصم. سحبها من يدها بعنف، وجرها لمكتبه. رمى خلفه الستائر السوداء، وفتح شاشة ضخمة كانت تعرض "كاميرات المراقبة" في سجن الحاير.
— "تشوفين هذا؟" أشار لرجل عجوز جالس في زاوية الزنزانة، كان والدها.
— "بكلمة مني، يتغير وضعه من زنزانة عادية لـ "انفرادي".. وبكلمة مني، ينسى طعم الأكل. إذا ما صرتِ الخادمة المطيعة، أبوك بيتعذب بسبك."
هنا، عليا اهتزت من الداخل، لكنها لم تظهر له ذلك. نظرت للشاشة ثم نظرت له:
— "أبوي اختار طريقه وباعني.. الله يمهل ولا يهمل. لكن أنت.. ليش تخاف من الصلاة؟ ليش لما يأذن الفجر ترفع صوت الموسيقى؟ ليش الغرفة اللي في نهاية الممر مقفولة بـ "بصمة"؟"
تغير وجه معتصم، فجأة هجم عليها ومسكها من رقبتها (بدون خنق، لكن بقوة) وحشرها عند الجدار:
— "لا تدخلين في اللي ما يخصك.. صلاتك وربك خليهم لك. أنا مالي رب، ولا لي حياة غير اللي تشوفينها. والغرفة هذيك.. لو شفتك بس واقفة عندها، قسماً بالله يا عليا لأخليك تتمنين الموت ولا تلقينه."
تفاصيل العذاب اليومي
بدأ معتصم يستخدم أساليب حديثة في تعذيبها. كان يطلب منها تنظيف المسبح الخارجي في عز البرد، وفي الليل يقطع عنها الكهرباء في القبو عشان "تخاف". لكن عليا كانت في كل مرة، تشغل كشاف جوالها (اللي قدرت تخبيه) وتفتح قرآنها وتقرأ بصوت عالي يملأ البيت، مما كان يسبب لمعتصم نوبات غضب غير مبررة، كأنه يهرب من صوت الحق.
في ليلة، اكتشفت عليا شيئاً غريباً.. معتصم كان يمشي وهو نايم. سمعت خطواته في الصالة، طلعت وشافته واقف قدام "الغرفة الغامضة" و بصوت مكتوم وهو يقول: "سامحيني.. أنا ما كان قصدي."