وسأبقى عذراء - انا لست مجنونة - بقلم اريج - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: وسأبقى عذراء
المؤلف / الكاتب: اريج
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: انا لست مجنونة

انا لست مجنونة

--- أنا لا أضحك لأنني سعيدة. أنا أضحك لأنني لو لم أضحك… سأصرخ. منذ أن دخلت هذا المكان وهم ينظرون إليّ وكأنني شيء مكسور. لا أحد سألني ماذا حدث. لا أحد سألني لماذا بكيت بتلك الطريقة. فقط قرروا… أنني مجنونة. في الصالة، امرأة تصفق وتغني لنفسها. رجل يحدّث الهواء ويطلب منه أن يسامحه. فتاة تحدّق في الأرض وكأنها سقطت منها. وأنا؟ أجلس بينهم… أراقب. أضحك أحيانًا. ليس عليهم. بل على الفكرة كلها. هم على الأقل صادقون. عندما يتألمون… يصرخون. أنا فقط تعلّمت أن أبتسم حتى لا أزعج أحدًا. يدخل الطبيب كل يوم بنفس المعطف الأبيض، بنفس النظرة التي تقول: "أنا أفهمك أكثر منك." يجلس أمامي. — كيف تشعرين اليوم يا آية؟ أنظر إليه… وأتساءل: هل يسألني أنا؟ أم يسأل التشخيص المكتوب باسمي؟ أقول بهدوء: — بخير. دائمًا أقول بخير. يكتب بسرعة. دون أن يرى أن يدي ترتجف قليلًا. دون أن يسمع صوت قلبي وهو يصرخ: "أنا لست مجنونة… أنا فقط تعبت." في الليل، يصبح المكان أهدأ… لكن داخلي لا يهدأ. أسمع أنينًا من غرفة بعيدة. ضحكة هستيرية من الممر. صوت باب يُغلق بقوة. وأشعر أنني الوحيدة التي تفهم ما يحدث. هم ليسوا مجانين… هم فقط مكسورون. تدخل الممرضة. تمد يدها بالدواء. — خذي يا آية. أنظر إلى الحبة الصغيرة في كفّي. صغيرة جدًا… لكنها تريد أن تجعلني شخصًا آخر. أبتسم. أضعها في فمي. أشرب الماء. أنتظر حتى تخرج. ثم… بهدوء شديد… أخرجها من تحت لساني. ألفّها في منديل. وأضعها تحت الوسادة. لست غبية. ولست ناقصة عقل. أنا فقط لا أريد أن أختفي. لا أريد أن يهدأ حزني صناعيًا. لا أريد أن تصبح أفكاري بطيئة فقط لأنهم يخافون منها. أستلقي على السرير. أنظر إلى السقف. أضحك بخفة. ليس لأنهم أغبياء… بل لأنهم يظنون أن الهدوء يعني الشفاء. لو سألني أحد بصدق… لو جلس أحد بجانبي دون ملف ولا قلم… لكنت أخبرته كل شيء. لكن هنا… الصمت أسهل. وأنا… لست مجنونة. أنا فقط أشعر أكثر مما يحتملون. أنا لستُ بخير… لكنني تعبت مم الاخفاؤ واكذب في داخلي حكايات لم يسمعها أحد، وجروح لا تُرى، لكنها تؤلم أكثر من أي شيء آخر. في داخلي حريق… لو ظهر يومًا، لأحرق غابات من الصمت، ولترك رمادًا في كل مكان مررتُ به كبرتُ قبل أواني، ليس لأنني أردتُ ذلك، بل لأن الحياة دفعتني دفعًا إلى الزاوية، وقالت لي: قاتل… أو تلاشى. تعلمتُ أن أبتسم والشقوق تملأني. تعلمتُ أن أقول "أنا بخير" بينما روحي كانت تسقط في هوةٍ بلا قاع. الحياة لم تكن درسًا… كانت اختبارًا قاسيًا بلا رحمة. كلما حاولتُ الوقوف، كسرت ركبتيّ من جديد. وكلما فتحتُ قلبي، عاد إليّ مثقوبًا أكثر. أصبحتُ هادئًا… هدوءًا مخيفًا. كهدوء مدينة بعد كارثة، لا صوت فيها… إلا صدى ما تحطم. لم أعد أخاف من الألم. الألم صار مألوفًا، صار يجلس بقربي كل ليلة كصديقٍ لا يغادر. في الليل، حين ينام العالم، أبقى وحدي مع أفكاري، أسمع صوت انكساري يتردد داخلي، وأتساءل: هل بقي مني شيء أصلًا؟ أم أنني مجرد بقايا شخصٍ كان يومًا يحلم؟ أنا لستُ قاسيًا… أنا فقط متعب. متعب حدّ أنني لم أعد أقاتل، ولا أصرخ، ولا حتى أطلب النجاة. ما زلتُ هنا… نعم. لكن ليس لأنني قوي، بل لأنني لم أجد طريقةً أختفي بها. مكسور؟ لا… أنا شيءٌ بين الكسر والعدم، شيءٌ لا يُصلَح… ولا ينتهي.