بيننا خيط لا ينقطع - الفصل الرابع والثلاثون بعد المئة - بقلم the writer linora | روايتك

اسم الرواية: بيننا خيط لا ينقطع
المؤلف / الكاتب: the writer linora
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الرابع والثلاثون بعد المئة

الفصل الرابع والثلاثون بعد المئة

" the writer Aridj " . . . كانا يجلسان معًا في الأرجوحة المعلّقة في شرفة غرفتهما، تلك الأرجوحة التي طالما احتضنت أسرارهما وهمساتهما . كانت الشرفة عالية، يلفّها سكون الليل وتغمرها أنفاس النسيم العليل. أعمدة الإنارة البعيدة تلمع بخفوت، والمدينة تحت قدميهما تغفو على ضوء خافت، فيما السماء فوقهما كانت ممتدة كبحرٍ داكنٍ مرصّعٍ بالنجوم. كانت تسند رأسها على ذراعه في ألفةٍ عتيقة، كأن ذراعه خُلقت لتكون ملجأھا الوحيد والأبدي، بينما هو يسند رأسه إلى ظهر الأرجوحة. لم يكونا يتأملان السماء بقدر ما كانا يتأملان ذكرياتهما؛ كانت عيناهما تتفحصان ماضياً طويلاً، أكثر مما تتفحصان نجمةً عابرة. كان في نظراتهما حديثٌ صامت، مزيج من الامتنان والدهشة، وشيءٍ من رهبة المعجزات الصغيرة التي تصنعها الأقدار. ابتسمت رتيل ابتسامة خفيفة، تحرّكت معها شفاهها كما لو أن الكلمات تتشكل بتأني، ثم قالت بصوتٍ ينساب كهمس المساء /رسيم... التفت إليها، وعلى شفتيه ابتسامة دافئة، وقال بلطف /عيونه. ضحكت بعينيها قبل أن تضحك بشفتيها، ثم أكملت حديثها، وصوتها يحمل دهشةً لا تزال غَضَّة رغم مرور الوقت /ما تحس إن اللي صار معنا غريب؟ نظر إليها باستغرابٍ محبّب، ورفع حاجبه قليلًا، وقال بهدوءٍ عميق /ليش؟ تنهدت، وأعادت نظرها إلى السماء، كأنها تبحث بين النجوم عن إجابةٍ تعينها على شرح ما في صدرها /أقصد... كيف التقينا، وكيف عشنا مع بعض، وكيف تزوجنا... غريبة مرة... بس تدري ... كانت أفضل شيء غريب بحياتي. كان في صوتها يقين امرأةٍ عرفت الفقد، ثم عرفت العوض. ضحك رسيم ضحكة خافتة ملؤها الرضا، ومرر يده على خصلات شعرها بحنانٍ ، كما لو أنه يرتّب ذكرياتهما معًا، ثم عاد يراقب النجوم. رفع إصبعه وأشار إلى نجمةٍ بارزة تتلألأ بثبات/شوفي هناك… تتذكرينه؟ ابتسمت فورًا، وكأن السؤال أيقظ حكايةً قديمة في أعماقها. أشارت إلى مكانٍ بجانب النجمة، وقالت بعفويةٍ حالمة /الأميرة Vega وراعي البقر الفقير Altir… وقعوا في حب بعضهم، بس درب التبانة فرّقهم، وما يلتقون إلا بليلة وحدة في السنة... أكمل رسيم، وصوته ينسجم مع صوتها كأنهما يحفظان الأسطورة عن ظهر قلب /في اليوم السابع من الشهر القمري السابع... وبصوتٍ واحد، امتزجت فيه نبرة الحنين بدفء الأيام الخوالي، قالا معًا /وتكون طيور العقعق الجسر اللي يجمعهم. ضحكا معًا، ضحكةً صافية لا يشوبها شيء، ضحكة تنبئ بحبٍ صادقٍ لا يخشى الزمن. كان ضحكهما اعترافًا صامتا بأنھما مثل تلك الأسطورة، اجتازا مسافاتٍ شاسعة من الفقد والعتمة ليصلا إلى هذا الضوء. التفتت رتيل إليه، عيناها تلمعان بشيءٍ يشبه الامتنان المقدّس /أحبك. تغيّرت ملامح رسيم، هدأ صوته، وغرقت عيناه في عينيها كأنهما يقرآن عهدًا أبديًا. قال بهيامٍ صادق، دون تكلّف/لَوْكَانَ الحُب كَلِمَاتٍ تُكْتَب لَجَفَت أَقْلَامِي لَكِنَ الحُبَ أَرْوَاحٌ فَهَلْ تَكْفِيكِ رُوحِي حين أنهى كلماته، لم يكن في صوته استعراض، بل صدقٌ يلامس الروح. شعرت رتيل أن الكلمات لم تخرج من فمه، بل خرجت من قلبه مباشرةً إلى قلبها. ابتسمت، وعيناها تلمعان بقصة عشقٍ خُلِّدت في تاريخ العشاق؛ قصة شابٍ شهمٍ حمل في قلبه وفاءً نادرًا، وفتاة أعطتها الحياة نصيبًا من الشقاء، حتى جمعتها الأقدار بمنقذها. كانت تتأمله وكأنها تستعيد كل ما مرّ به قلبھا: العثرات، الخيبات، الوحدة التي كانت تسكن أطراف روحها. ثم جاء هو، لا كبطلٍ خارق، بل كإنسانٍ صادق، يحمل قلبًا يتقن الاحتواء. شعرت أن الأرجوحة لا تتأرجح بهما فقط، بل تتأرجح بهما الحياة كلها، من ماضٍ موجع إلى حاضرٍ آمن. الليل من حولهما ازداد عمقًا، والنجوم بدت أقرب، كأنها تنصت لحديثھما باھتمام وتحن معھما لأول اللحظات ولبداية الطريق.... كانت السماء شاهدةً على أن بعض اللقاءات، وإن بدت غريبة، هي في حقيقتها مكتوبةٌ في دفاتر أقدارنا، وأن بعض الغرابة ليست إلا الاسم الآخر للمعجزة. وفي تلك اللحظة، لم تكن رتيل تفكر في شيء آخر سواه هو، وفي صوته الذي يسكنها، وفي نجمةٍ بعيدةٍ تلمع كأنها تبتسم لهما. أما رسيم، فكان ينظر إليها كما لو أنها النجمة الأوضح في سمائه، النجمة التي لا يحجبها دربٌ ولا تفرّقها مجرّة. وبين همس الليل ودفء القرب، ظلّا هناك، يتأملان السماء بعينين تتفحصان ذكرياتٍ أكثر من تفحص السماء، ويبتسمان لقدرٍ كان غريبًا… لكنه كان أجمل ما حدث في حياتهما.....