الفصل 7 : ما وراء الزجاج
وقفت لحظة وسط جناحها، تحدّق في الباب المغلق.
صوته ما زال يتردد في رأسها:
“وهذا ما أخشاه.”
أغلقت الباب خلفها، ووقفت وسط الجناح.
كل شيء كان كما تركته…
أو هكذا ظنت.
تقدّمت نحو الطاولة.
كتابها لم يكن هناك.
وضعت يدها على الخشب… كان أملس أكثر من المعتاد.
رفعت عينيها نحو الجدار.
اللوحة التي كانت معلّقة هناك… اختفت.
بدلها، لوحة أخرى لرجل لم تره من قبل.
اقتربت منها.
رجل بملامح صارمة، يرتدي تاجاً قديماً.
وتحت الصورة مكتوب:
“جلالة الملك ألدريك.”
تجمدت.
“من هذا؟”
هي لم ترَ هذا الملك من قبل في القصر.
لكن ربما… لم تنتبه فقط.
ابتعدت خطوة.
سمعت فجأة صوت أبواق من الخارج.
فتحت النافذة.
الساحة مليئة بالناس.
أكثر من المعتاد.
أعلام تُرفع.
منصة تُجهّز.
همسات تنتشر بين الخدم.
“هل بدأ الاحتفال؟”
همست لنفسها.
لكن لم يكن هناك أي حديث عن احتفال قبل ساعات.
طرِق الباب.
دخلت خادمة.
لكنها ليست نفس الخادمة.
ملابسها مختلفة… تصميمها أقدم.
“آنستي، هل أنتِ مستعدة لحفل إعلان وليّ العهد؟”
تجمدت.
“أي حفل؟”
نظرت إليها الخادمة باستغراب حقيقي.
“حفل اليوم… الجميع يتحدث عنه منذ أسابيع.”
منذ أسابيع؟
قلبها بدأ يخفق بسرعة.
لم تكن هناك أي تحضيرات قبل ساعات.
لم يكن هناك أي إعلان.
لم يكن هناك أي شيء.
تراجعت ببطء.
ليس لأن الملك مريض.
ليس لأنها تعرف التاريخ.
بل لأن الواقع نفسه تغيّر.
بدون تفسير.
بدون مقدمات.
نظرت إلى المرآة.
تقدمت نحوها ببطء.
لمعت سطحها للحظة… كأن موجة خفيفة مرت عليها.
تراجعت فوراً.
المراية.
آخر شيء تتذكره… أنها دخلت من مراية.
رفعت يدها نحوها…
لكنها لم تلمسها.
ولأول مرة…
خطر في بالها احتمال لم تجرؤ على التفكير فيه.
“هل… يمكن أنني لست في مكاني؟”
لم تقل “الماضي”.
لم تقل “زمن آخر”.
فقط…
ليست في مكانها.
بقيت واقفة قدّام الزجاج، تتأمل انعكاسها.
وجهها هو نفسه…
لكن الإحساس ليس نفسه.
مدّت يدها ببطء ولمست سطح المراية.
باردة.
عادية.
لا شيء يتحرك هذه المرة.
“إذن… ماذا حدث؟”
طرِق الباب مرة أخرى، لكن هذه المرة الطرق كان أقوى.
“آنستي، يجب أن تنزلي. الملك وصل.”
توقفت أنفاسها.
الملك.
الكلمة وحدها بدت ثقيلة.
فتحت الباب ببطء.
الممر مليء بالخدم والحرس، أكثر من المعتاد. الحركة أسرع، والنظرات مختلفة… كأن الجميع يعيش يوماً مهماً.
سارت معهم دون أن تتكلم.
السلالم التي صعدتها ونزلتها عشرات المرات بدت نفسها…
لكن الشموع الموضوعة على الجدران جديدة، لم تذب بعد كما اعتادت رؤيتها.
تفصيل صغير آخر.
دخلت القاعة الكبرى.
الضوء أقوى. الموسيقى حاضرة. همسات النبلاء تملأ المكان.
ثم رأت المنصة.
وعليها… رجل يرتدي تاجاً ذهبياً قديماً.
لم تره من قبل.
ملامحه قوية، شعره لم يشبه الصور الباهتة التي رأتها في أروقة القصر.
الناس ينادونه:
“جلالة الملك.”
تجمدت في مكانها.
إذا كان هذا هو الملك…
فمن كان يجلس على العرش قبل ساعات؟
رفعت عينيها تبحث وسط القاعة.
ورأته.
الأمير.
واقفاً إلى جانب العرش.
ملامحه أقل قسوة… نظرته مختلفة، لا تحمل الثقل الذي رأته في عينيه تلك الليلة.
كأنه… نسخة لم تمرّ بعد بما مرّ به.
شعرت ببرودة خفيفة تسري في جسدها.
ليست حلماً.
ليست خدعة بسيطة.
القاعة، الناس، الأصوات… كل شيء حقيقي أكثر مما يجب.
بدأت الكلمات تتردد حولها:
“اليوم يُعلَن وليّ العهد…”
“لحظة تاريخية…”
“بداية عهد جديد…”
تاريخية.
بداية.
شيء ما داخلها بدأ يربط الخيوط.
المراية.
التغيّر المفاجئ.
الملك الذي لم تره من قبل.
نسخة مختلفة من الأمير.
رفعت يدها ببطء إلى صدرها.
ولأول مرة، لم يكن السؤال: ماذا يحدث؟
بل:
متى أنا؟
لكنها لم تنطقها.
فقط نظرت إلى الأمير… الذي رفع عينيه فجأة والتقت نظراتهما.
ارتفعت الأصوات في القاعة، وساد صمت ثقيل.
تقدّم أحد رجال البلاط، وفتح لفافة طويلة، ثم أعلن بصوتٍ جهوري:
“بأمرٍ من جلالة الملك، يُعلن اليوم الأمير لوسيان وليّاً للعهد… وملكاً مستقبلياً للمملكة.”
توقّف الزمن للحظة.
الاسم.
لوسيان.
ارتجف شيء داخلها.
لوسيان…
همست به داخلها، وكأنها تجرّبه لأول مرة… لكن الإحساس لم يكن جديداً.
رأت الاسم من قبل.
سمعته.
لكن أين؟
تقدّم الأمير خطوة نحو المنصة. انحنى أمام الملك، ثم استدار نحو الحضور.
التصفيق ملأ القاعة.
لكنها لم تسمع شيئاً.
ذاكرتها بدأت تتحرك ببطء… كضباب ينزاح.
صورة قديمة في كتاب قرأته يوماً ما.
لوحة في ممرّ طويل.
اسم محفور أسفلها:
“الملك لوسيان الأول.”
الملك… الذي غيّر تاريخ المملكة.
الملك الذي قيل إن عهده لم يبدأ بسلام.
رفعت عينيها نحوه.
هذا هو.
ليس فقط الأمير الذي واجهها على الدرج.
ليس فقط الرجل الغامض.
بل الملك الذي سيُذكر في التاريخ.
قلبها خفق بقوة.
إذا كان هو لم يصبح ملكاً بعد…
فهذا يعني—
الفكرة لم تكتمل، لكنها شعرت بها.
هي لا ترى الحاضر.
هي ترى البداية.
رفعت يدها ببطء، كأنها تتحقق أن الأرض ما زالت ثابتة تحت قدميها.
لوسيان.
الاسم لم يعد غريباً.
صار ثقيلاً.
ومرّة أخرى، رفع رأسه… والتقت عيناهما وسط القاعة المزدحمة.
لكن هذه المرة، لم تكن نظرة عابرة.
كأنه شعر بشيء.
كأن وجودها هنا… ليس صدفة.
وفي تلك اللحظة فقط، أدركت شيئاً بسيطاً… ومخيفاً:
إن كان هذا هو اليوم الذي بدأ فيه كل شيء…
فهي تقف في قلب الحدث الذي سيغيّر المملكة.
ولم تعد متفرّجة.