اليوم السادس
"صِراعُ المحاشي.. وعزومةُ القرايب"
اليوم هو يوم "العزومة الكبيرة" فالبيت يمتلئ بخالات سلمى وعماتها وأولادهم. المطبخ تحول لخلية نحل، "زينب" لا تتوقف عن الحركة، والروائح تتصادم، محشي ورق عنب، مكرونة بشاميل، ديك رومي، وجلاش باللحمة المفرومة.
كانت "سلمى" واقفة تراقب خالتها "سعاد" وهي تتذوق "شوربة لسان العصفور" وتقول بمكر: جميلة يا زينب، بس لو كنتي زودتي السمنة البلدي شوية كانت هتبقى زي بتاعتي.. يالا، كتر خيرك إنك قادرة تقفي في الجو ده!
اشتعلت المنافسة، وبدأت كل واحدة من القريبات تمدح في "طريقتها الخاصة" وتنتقد خفية أطباق الأخرى. سلمى كانت تحاول الدفاع عن طبخ أمها، بينما "عادل" يهرب من "نقاشات الستات" ويحاول تهدئة الصغار في الصالة.
هنا تدخلت الجدة "هنية"، التي كانت تجلس كالملكة في صدر المكان، وقالت بصوت مسموع للكل: جرى إيه يا سعاد؟ إيه يا زينب؟ إحنا العزومه دي عشان ناكل محبة ولا عشان نقيم؟ احنا مش في مسابقه طبخ يابت انتي وهي وهي، زمان يا ولاد، كانت العزومة يعني (البركة). مكنش فيه حد بيفكر مين طبخه أحلى، كان المهم إن الكل يغرف من صينية واحدة، واللقمة اللي فيها (نفس) طيبة كانت بتشبع مية. المنافسة في رمضان يا ولاد في (الطاعات)، مش في مين حط بهارات أكتر!
سكت الجميع قليلاً، فتابعت الجدة : وبعدين يا سعاد، زينب نفسها في الأكل اخدته مني، يعني لو بتنتقديها يبقى بتنتقدي (المعلمة) الكبيرة.. ولا إيه؟ ضحك الجميع وانكسرت حدة التوتر، وبدأوا يغرفون الطعام بضحكات حقيقية هذه المرة.
سحور "تصفية النفوس"
بعدما رحل الضيوف وبقي أهل البيت فقط، كانت زينب تبدو متعبة ولكنها مرتاحة. في وقت السحور، وضع "عمر" بقايا الحلويات بجانب الزبادي، وجلسوا جميعاً يحكون مواقف العزومة.
قالت سلمى: تصدقي يا تيتا، خالتو سعاد في الآخر اعترفت إن محشي ورق العنب بتاع ماما هو اللي خلص الأول، وقعدوا يضحكوا ويتبادلوا الوصفات مع بعض
ابتسم عادل ويقضم من طبق الخيار: أهو ده جمال رمضان يا سلمى. في الغربة كنت باكل أحلى الأكلات في المطاعم، بس كان بيبقى طعمه (ناقص). مكنتش عارف إيه هو، بس اكتشفت النهاردة إنه (دوشة القرايب). العزومة مش شطارة طبخ، العزومة شطارة (وصل).
قالت الجدة هنية وهي ترتشف من كوب الشاي : السحور النهاردة هادي وجميل لأننا صفينا النفوس في الفطار. العزومة يا ولاد مش عشان نوري الناس شطارتنا، العزومة عشان ربنا يبارك في البيت اللي بياكل فيه غريب وقريب. والبيت اللي بيتقفل بابه على أصحابه بس في رمضان، بيتحرم من دعوات الملائكة.
نظرت زينب لولدتها وقالت: ربنا يخليكي لينا يا أمي، إنتي اللي بتجمعينا دايماً على الخير.
الرسالة المستفادة:
"اللقمة الهنية تكفي مية.. واللقمة بالمحبة تزيح أي غُمّة." عزومات رمضان ليست "برنامج مسابقات" للطبخ، بل هي شعيرة لوصل الأرحام. لا تجعلوا التفاخر بالأصناف ينسيكم الغرض الأساسي من اللمة؛ وهو إدخال السرور على قلوب الأهل. تذكروا أن البركة تحل حيثما وُجدت القلوب الراضية، والبطن تشبع بلقمة، لكن القلب لا يشبع إلا بالود.
الخاتمة:
مالت سلمى على كتف جدتها وقالت: خلاص يا تيتا، العزومة الجاية أنا اللي هعمل (السلطة) ومحدش يجرؤ ينتقدها، وإلا هجيبلك الفيديوهات اللي بتقول إن السلطة الخشنة أصح!
ضحكت الجدة وقالت: إعملي اللي تعمليه يا غلاباويه، المهم النفس تكون صافية والنية لله. تصبحوا على خير وبركة.