طيف الماضي ونار الغيرة المتفجرة
بينما كان جونكوك يجلس عند قدميها يحاول استرضاءها بصمته المعتاد، تنهدت ياسمين بعمق وهي تنظر إلى قلادتها القديمة، وقالت بصوت خافت مليء بالحنين المصطنع:
"أتعلم يا جونكوك.. تلك الضحكة التي سمعتها مني مع الحارس، لم تكن له.. بل ذكرتني بـ 'مين هو'.. حبيبي الأول. كان دائماً يضحكني، كان بشرياً دافئاً، ولم يهددني يوماً بأنيابه."
لحظة التجمد
ساد صمت مرعب في الغرفة. توقفت يد جونكوك عن مسح شعرها، وشعرت ياسمين ببرودة مفاجئة تجتاح المكان. لم يتحرك جونكوك، لكنها سمعت صوت تكسر الخشب تحت يده التي كانت تستند إلى طرف السرير.
رفع رأسه ببطء، وكانت ملامحه قد تبدلت تماماً. عيناه تحولتا إلى اللون الأحمر الدموي، ليس فقط غضباً، بل جنوناً محضاً. برزت أنيابه بشكل حاد، وهمس بصوت يخرج من أعماق الجحيم:
"بماذا نطقتِ يا ياسمين؟ قولي هذا الاسم مرة أخرى.. وسأقتلع لسان كل من تجرأ على لمس خيالكِ قبل أن أجدكِ."
الغضب الذي لا يمكن احتواؤه
نهض جونكوك من مكانه، وبحركة برقية حطم المرآة الكبيرة بيده العارية، وتطاير الزجاج في كل مكان. صرخ بجنون تملكي:
"أنا من أملك حاضركِ ومستقبلكِ! لا يحق لكِ امتلاك ماضٍ ليس فيه اسمي! سأبحث عنه.. سأجد هذا الرجل حتى لو كان تحت التراب، وسأريه ما معنى أن يحلم بشيء يخص جيون جونكوك!"
اندفعت ياسمين واقفة، وقالت باستفزاز وهي تبتسم ببرود: "لن تجده، لأنه في قلبي.. المكان الوحيد الذي لا يمكنك دخوله بقوتك الخارقة أو أنيابك المقرفة. سأبقى أحبه وأكرهك أنت."
الوحش يكسر القيود
عند سماع كلمة "أحبه"، فقد جونكوك السيطرة تماماً. اندفع نحوها وحاصرها بقوة جعلت أنفاسها تنقطع، غرس نظراته الحمراء في عينيها، وقال وهو يزمجر بالقرب من شفتيها:
"سأجعلكِ تنسين اسمه، وتنسين كيف تنطقين أي اسم غير اسمي! سأعزلكِ عن العالم، عن الهواء، عن الذكريات!"
الندم المتكرر (دورة الضعف)
ولكن، بمجرد أن رأى دموع التحدي في عينيها، وبمجرد أن شعر برجفة جسدها رغم شجاعتها، انكسر الوحش مجدداً. تراجعت الأنياب وغاب اللون الأحمر ليحل مكانه بؤس لا يوصف.
أسند جبينه على كتفها، وبدأ جسده الضخم يرتجف.
"لماذا تفعلين هذا بي؟ تعذبينني برجل مات في ذاكرتكِ؟ ألا يكفي أنني سجين كرهكِ؟ سأفعل أي شيء.. سأدلكِ، سأبني لكِ مدناً، سأقتل كل من يزعجكِ.. فقط لا تذكري رجلاً غيري أمام عيني. غيرتي ليست كبشر، غيرتي تقتلني قبل أن تقتلهم."
قرار العزلة الأبدية
رفع رأسه ونظر إليها بعينين دامعتين ولكنهما حازمتان:
"لن تخرجي من هذا الجناح بعد اليوم. سأحضر لكِ كل ما تشتهين، لكنكِ لن تري وجهاً بشرياً غير وجهي. سأكون عالمكِ الوحيد، شئتِ أم أبيتِ. إذا كنتِ تكرهينني، فلتكن هذه الكراهية لي وحدي."
أغلق الباب خلفه بإحكام، تاركاً ياسمين في عزلتها الفاخرة، بينما وقف هو خلف الباب يحرسها كظلها، يصارع وحشه الذي يريد تمزيق العالم غيرةً عليها، وقلبه الذي يذوب ندماً كلما رأى خوفها.
التمرد يسري في دم ياسمين كالنار، وجنون جونكوك لا يعرف حدوداً. رغم السجن الذهبي والعزلة التي فرضها، وجدت ياسمين ثغرة في تلك الليلة القاتمة، وقررت أن تتحداه في عقر داره.
الفصل الثالث عشر: الهروب من فم الوحش
في الليلة التي غادر فيها جونكوك القصر لإنهاء تمرد في إحدى عشائر مصاصي الدماء، تسللت ياسمين عبر النافذة التي فكت براغيها بآلة حادة على مدار أيام. ركضت في غابات سيول المظلمة، كانت تشعر بالحرية لأول مرة، لكنها لم تكن تعلم أن "أنفاس الوحش" تتبعها في كل خطوة.
فجأة، توقف الهواء عن الحركة. شعرت ببرودة خلف عنقها تجمدت لها الدماء في عروقها. سمعت صوتاً لم يكن صوتاً بشرياً، بل كان زئيراً مكتوماً يخرج من بين أسنان حادة:
"ألم أقل لكِ.. أنكِ لا تغادرين مملكتي إلا بكفني؟"
العقاب: عندما يطغى الوحش على العاشق
التفتت لتجده واقفاً في الظلام، عيناه تشتعلان باللون الأحمر المتوهج، وقد برزت أنيابه الطويلة بشكل مرعب لم تره من قبل. لم يمنحها فرصة للكلام؛ بل هجم عليها بسرعة البرق وقبض على خصرها ليرفعها في الهواء، ثم عاد بها إلى القصر في ثوانٍ.
ألقى بها في وسط الجناح الملكي، وحطم كل الأثاث من حولها بصرخة هزت جدران القلعة:
"لقد نفد صبري! دللتكِ فتمردتِ، عشقتكِ فاحتقرتِ، والآن تعصين أمري وتهربين؟!"
لحظة الرعب الحقيقي
اقترب منها وجثا فوقها، كانت أنيابه تلامس بشرة عنقها الحساسة، وعيناه الحمراء تخترقان روحها. بدأ يزمجر بصوت مرعب وهو يقول:
"منذ اليوم، سأقيدكِ بسلاسل من الفضة لا تنكسر! ستنامين وتستيقظين وأنا فوق رأسكِ! سأريكِ العقاب الذي يليق بملكة تعصي ملكها!"
ارتجفت ياسمين بشكل هستيري، ولأول مرة، سقط قناع القوة عنها. انكمشت على نفسها وهي تبكي برعب حقيقي، وغطت وجهها بيديها وهي تصرخ: "لا.. أرجوك يا جونكوك.. لا تقتلني!"
الندم وسط الرماد
بمجرد أن رأى جسدها يرتعد بهذه القوة، وبمجرد أن سمع كلمة "تقتلني"، صمت الوحش فجأة. تلاشت الحمرة من عينيه واختفت الأنياب، وحل مكانها ذهول وانكسار. نظر إلى يديه اللتين كانتا تقبضان عليها بقسوة، فابتعد عنها بسرعة وكأنه لمس ناراً حارقة.
سقط في زاوية الغرفة، ودفن رأسه بين ركبتيه وهو يئن بوجع:
"ماذا فعلت؟.. لقد جعلتُ عيونها تفيض بالخوف مني بدلاً من الكره.. ياسمين، أنا.. أنا وحش، أعلم ذلك.. سامحيني، أرجوكِ لا ترتعشي هكذا، قلبي يتمزق!"
التمرد المستمر: روح لا تنكسر
رغم الرعب الذي سكن قلبها، ورغم أنها أصبحت تخشى حتى صوت خطواته في الممر، إلا أن روح ياسمين المتمردة لم تطفأ. بعد أيام من عقابه، وبينما كان يحاول استرضاءها بأفخر الثياب والمجوهرات، نظرت إليه بعينين دامعتين لكنهما مليئتان بالتحدي.
طلب منها أن تتناول طعامها، لكنها دفعت الصحن بعيداً لينكسر على الأرض.
جونكوك: "ياسمين.. لا تعانديني مجدداً، لا أريد أن أفقد أعصابي مرة أخرى."
ردت بصوت مرتجف ولكن حاد: "اقتلني إذن، لأنني سأعصي كل أمر تصدره! سأهرب كلما سنحت لي الفرصة، وسأكرهك أكثر مع كل قيد تضعه في يدي!"
الهوس الأبدي
اشتعلت عيناه مجدداً، لكنه هذه المرة لم يقترب منها. وقف مكانه وهو يشد على قبضة يده حتى تفجرت عروقه، وقال بهمس مرعب:
"تعصينني وأنتِ ترتجفين خوفاً؟.. يا لكِ من امرأة فاتنة وقاتلة. عاندي كما تشائين، فكلما زاد عنادكِ، زاد هوسي بكسر هذا العناد وجعلكِ تركعين أمام حبي."