الهوس الذي لا ينحني
كان جونكوك يقف في شرفته المطلة على الحديقة، يراقب ياسمين وهي جالسة ببرودها القاتل. كان يعلم أنها تستغله، يعلم أنها تتلاعب بخوفه عليه، لكنه كان يستمتع حتى بهذا الألم؛ لأن الألم القادم منها هو الدليل الوحيد على أنها لا تزال "موجودة" في حياته.
دخل إلى غرفتها في منتصف الليل، لم يوقظها، بل اكتفى بالجلوس على الأرض بجانب سريرها، يراقب ملامحها وهي نائمة. كانت عيناه الحمراء تلمعان في الظلام كجمرتين لا تنطفئان، وأنيابه تبرز قليلاً مع كل زفرة ألم تخرج من صدره.
همس بصوت مبحوح وهي نائمة:
"اكرهيني كما تشائين، حطمي قلبي كل صباح، تلاعبي بأعصابي حتى أفقد عقلي.. لكنني لن أتخلى عنكِ أبداً. سأكون ظلك الذي يلاحقكِ، وسجّانكِ الذي يعبدكِ، والوحش الذي يحميكِ من العالم ومن نفسكِ."
لعبة الغيرة القاتلة
في اليوم التالي، أرادت ياسمين اختبار مدى تحمله. طلبت من أحد الحراس الشباب أن يحضر لها بعض الكتب، وعندما دخل الحارس، بدأت ياسمين تتحدث معه بلطف مصطنع، وتضحك بخفة لم يراها جونكوك منذ سنوات.
لم يتأخر الرد...
انفجر باب الغرفة وكأن إعصاراً ضربه. دخل جونكوك والغضب يحول ملامحه الوسيمة إلى ملامح شيطان مرعب. كانت عيناه حمراء لدرجة السواد، وأنيابه بارزة بالكامل، وعروق رقبة تبرز بشدة.
أمسك الحارس من عنقه ورفعه في الهواء بيد واحدة وكأنه ريشة، وزأر بصوت هز أركان القصر:
"كيف تجرؤ على النظر في عينيها؟! كيف تجرؤ على سماع صوت ضحكتها التي حرمتني منها؟!"
المواجهة الكبرى: "أنتِ لي حتى الفناء"
صرخت ياسمين وهي تقف أمامه بتحدٍ: "اتركه يا وحش! هو على الأقل إنسان، ليس مثلك!"
رمى جونكوك الحارس بعيداً ليصطدم بالجدار ويفقد وعيه، ثم التفت نحو ياسمين بسرعة البرق. حاصرها بين ذراعيه والحيط، وضغط بجسده الصلب عليها حتى شعرت بقوة عضلاته وبرودة جلده.
"نعم، أنا وحش!" صرخ بوجهها، وأنفاسه الغاضبة تلامس بشرتها. "وأنا الوحش الذي اختاركِ! هل تظنين أن تلاعبكِ بي سيجعلني أفتح لكِ الأبواب؟ هل تظنين أنني سأملّ وأترككِ لغيري؟"
اقترب من أذنها وهمس بصوت يرتجف من الغيرة والجنون:
"سأحبسكِ في أعماق قلبي، سأبني حولكِ جدران من النار. موتي أهون عليّ من رؤية رجل آخر يلمح طرف ثوبكِ. أنتِ سجينتي، وأنا سجين كرهكِ.. ولن يخرج أحدنا من هذه الزنزانة حياً."
العودة إلى الدلال المسموم
بعد نوبة الغضب تلك، عاد جونكوك لحالته الأخرى. أحضر وعاءً من الماء الدافئ وجلس تحت قدميها ليمسح عليهما بقطعة قماش حريرية، وكأن شيئاً لم يكن.
نظرت إليه ياسمين باحتقار وقالت: "أنت مريض نفسياً."
رفع نظره إليها، وكانت عيناه لا تزالان حمراء، لكن برزت فيهما نظرة عشق مخيفة:
"أنا مريض بـ ياسمين.. وهذا مرض لا شفاء منه. لا تنتظري مني رحمة، ولا تنتظري مني وداعاً. أنا هنا.. إلى الأبد."
اختارت ياسمين "كاي"، وهو حارس شاب من البشر تم تعيينه مؤخراً ولم يعرف بعد مدى جنون سيده. في اللحظة التي دخل فيها ليضع صينية الطعام، نادته ياسمين بصوت ناعم لم يسمعه جونكوك منها قط:
"كاي.. هل يمكنك البقاء قليلاً؟ أشعر بالوحدة، وحديثك يبدو ممتعاً."
تسمر الحارس في مكانه، مرتبكاً من جمالها ومن الطلب المفاجئ. بدأت ياسمين تبتسم له، وتتعمد خصلات شعرها أن تسقط على وجهها وهي تضحك بخفة، تراقب بطرف عينها "كاميرات المراقبة" التي تعلم أن جونكوك يراقبها من خلالها في كل ثانية.
لحظة الانفجار (دخول الوحش)
لم يمضِ أكثر من دقيقة حتى اهتزت جدران الغرفة بصوت انفجار الباب. لم يدخل جونكوك مشياً، بل اقتحم المكان كإعصار مظلم. كان الهواء من حوله يتجمد، وتحولت عيناه إلى اللون الأحمر المتوهج بشكل مرعب، وبرزت أنيابه التي كانت تلمع تحت ضوء المصابيح المهتزة.
بلمحة بصر، كان كاي معلقاً في الهواء، يد جونكوك القوية تعتصر رقبته، وعروق وجه جونكوك برزت بشدة من فرط الغضب.
"هل تجرأت؟!" زمجر جونكوك بصوت وحش كاسر. "هل تجرأت على سماع ضحكتها التي أبذل عمري لأسمعها؟ سأنتزع أذنيك من مكانهما!"
المواجهة: استفزاز القمة
اندفعت ياسمين ووقفت أمام جونكوك مباشرة، صرخت بوجهه وهي تراه يتحول لشيء لا بشري:
"اتركه! هو ألطف منك بآلاف المرات! على الأقل لديه قلب بشري، وليس صخراً بارداً مثلك!"
رمى جونكوك الحارس بقوة حطمت زجاج الشرفة، ثم التفت نحو ياسمين وجذبها من خصرها ليلصقها بصدره العريض، وكانت أنفاسه تخرج كالفحيح. أنيابه كانت تلمس بشرة عنقها، وعيناه الحمراء تشتعلان بجنون التملك.
"ألطف مني؟!" صرخ فيها، وصوته يرتجف. "سأريكِ اللطف الحقيقي عندما أقتله أمام عينيكِ! أنتِ لي! ظلكِ لي! خيالكِ لي! كيف تجرئين على إشعال هذه النار في صدري؟!"
الكره القاتل
قالت ياسمين ببرود وهي تنظر في عينيه الحمراء دون خوف: "اقتله، واقتل كل حراس القصر. سيبقى قلبي ملكاً لي، وسأبقى أبحث عن أي إنسان يشبهني لأهرب من وحشيتك. أنت لا تملك سوى جسدي، أما روحي فهي تحتقرك."
الانهيار والندم وسط الغضب
بمجرد أن نطقت بكلمة "احتقار"، اهتز كيان جونكوك. تراجع للخلف وهو ينهج، وكأن طعنة أصابت رئتيه. خمد وهج عينيه الحمراء قليلاً، لكنها بقيت محتقنة بالدموع والندم.
سقط على ركبتيه وحطم الأرضية الرخامية بقبضة يده، صرخ بألم:
"لماذا تفعلين هذا بي؟! لماذا تختارين أي شخص إلا أنا؟! لقد أعطيتكِ الخلود، الثراء، قلبي الذي لم ينبض لغيرك.. وسأعطيكِ عمري لو أردتِ!"
ثم زحف نحوها وأمسك بطرف فستانها، هامساً بصوت مكسور تماماً:
"أنا آسف لأنني مخيف.. آسف لأنني وحش. لكن لا تنظري لغيري، أرجوكِ. سأجعلكِ تكرهينني أكثر، سأقسو عليكِ أكثر لتبقي معي، لكن لا تجعليني أرى تلك النظرة لرجل آخر.. غيرة وحشي لا ترحم، وقد أحرق العالم كله فقط لأتأكد أنكِ لا ترين سواي."
دلال ما بعد العاصفة
رغم غضبه القاتل قبل قليل، قام جونكوك وحملها برقة شديدة، وضعها على السرير وبدأ يمسح على شعرها بيد ترتجف، وهو يهمس:
"سأحضر لكِ طعاماً جديداً.. وسأبقى هنا عند قدميكِ طوال الليل. لن يلمسكِ غيري، ولن يراكِ غيري.. أنتِ سجينة عشقي الأبدي."