ذبول الزهرة المتمردة
رغم القسوة والجبروت الذي أظهره جونكوك مؤخراً، إلا أن هناك رابطاً خفياً لا يستطيع قطعه؛ وهو نبض قلب ياسمين الذي بدأ يضعف. الوحش الذي قرر كسرها، وجد نفسه يرتعد خوفاً من أن تنكسر أكثر مما ينبغي.
الفصل الثامن: ذبول الزهرة المتمردة
مرت أسابيع وياسمين سجينة ذلك الجناح المظلم. المقاومة الشرسة التي كانت تبديها بدأت تتحول إلى شيء أخطر: الذبول. لم تعد تصرخ، لم تعد تحطم الأشياء، بل أصبحت تقضي أيامها مستلقية على الأرض الباردة، تنظر إلى الفراغ بعينين غائرتين، وجسدها الذي كان يفيض بالحياة أصبح نحيلاً كخيال باهت.
دخل جونكوك الغرفة بخطواته الثقيلة، مستعداً لمواجهة كرهها المعتاد، لكنه وجد صمتاً مرعباً. كانت ياسمين ملقاة قرب النافذة المغلقة، وشعرها مبعثر حول وجهها الشاحب كالموت.
رعب "ملك الليل"
اقترب منها ببرود مصطنع، لكنه عندما رأى يدها المرتجفة ولونها المخطوف، انخلع قلبه من مكانه. سقطت هيبته وقسوته في ثانية واحدة. جثا بجانبها ورفع رأسها على حجره، صوته الذي كان يزأر منذ قليل أصبح يهمس برعب حقيقي:
"ياسمين؟ ياسمين، انظري إليّ.. لا تفعلي هذا، أرجوكِ!"
لم تفتح عينيها، بل همست بشفاه جافة: "أليس هذا ما أردته؟.. جسد بلا روح؟.. خذ ما تبقى مني.. ودعني أرتاح."
جنون الخوف والندم المتجدد
في تلك اللحظة، تحولت عينا جونكوك إلى الأحمر القاني، لكنه لم يكن أحمر الغضب، بل كان أحمر "الجنون"؛ الجنون من فكرة فقدانها. برزت أنيابه وهو يزمجر في وجه حراسه الذين هرعوا للداخل:
"أحضروا أفضل الأطباء! الآن! إذا حدث لها شيء، سأبيد هذه المدينة عن بكرة أبيها!"
حملها بين ذراعيه وكأنها أثمن ما يملك، ضاغطاً جسدها الضعيف إلى صدره الصلب. بدأ يهز رأسه بإنكار، ودموعه بدأت تنهمر لتغسل شحوب وجهها.
"أنا آسف.. اللعنة عليّ، أنا آسف! لم أقصد كسر روحكِ، أردتُكِ لي فقط! استيقظي يا ياسمين، اصرخي في وجهي، اشتميني، اكرهيني كما تشائين.. لكن لا تتركيني في هذا الظلام وحدي!"
محاولة الاسترضاء اليائسة
فتح جونكوك كل النوافذ التي أغلقها، وأمر بإحضار أندر أنواع الأطعمة، وامتلأ الجناح بالزهور الملونة في محاولة يائسة لإعادة الحياة إليها. جلس عند قدميها طوال الليل، يمسك يدها الباردة ويقبلها بقدسية، وهو يتحول بين حالتين:
الوحش: الذي يزمجر في وجه أي شخص يقترب منها.
العاشق المنكسر: الذي يتوسل إليها أن تأكل ولو لقمة واحدة.
وعندما بدأت تفتح عينيها ببطء، وجدته ينظر إليها بعينيه الحمراء التي يملؤها الندم الشديد، وأنيابه بارزة ليس تهديداً، بل لأنه فقد السيطرة على مشاعره من فرط الخوف.
قالت بوهن وهي تحاول سحب يدها: "لا زلتُ أكرهك.. جونكوك."
أغمض عينيه بألم، وضغط جبينه على يدها قائلاً بصوت مخنوق:
"اكرهيني.. سأقبل بكرهكِ تاجاً فوق رأسي، سأكون خادمكِ المطيع، سأفعل أي شيء.. فقط ابقي حية. سأعطيكِ بعض الحرية، سأسمح لكِ بالخروج للحديقة، سأفعل ما تريدين.. فقط لا تذبلي بين يدي."
استعادت ياسمين بريق عينيها، لكنه لم يكن بريق الحب، بل كان بريق المكر. أصبحت تتظاهر بالضعف المفاجئ أمام جونكوك لتراه ينهار رعباً، ثم تبتسم له بسخرية عندما تراه يركض نحوها بجنون.
في أحد المساءات، كان جونكوك يجلس بجانب سريرها، يحمل كأساً من الدواء الممزوج بدمه (الذي يمنح القوة للبشر). مد يده برقة ليمسح على جبينها، فابتعدت عنه بقرف وقالت بصوت هادئ:
"لا تلمسني.. لمستك تجعلني أشعر برغبة في التقيؤ."
تصلب جسد جونكوك، واهتزت يده حتى كاد الكأس ينكسر. تحولت عيناه إلى الأحمر القاني تأثراً بكلماتها القاسية، وبرزت أنيابه من شدة القهر، لكنه كبح جماحه، وقال بصوت مخنوق:
"ياسمين.. أرجوكِ، اشربي هذا.. سيعيد لكِ قوتكِ."
الابتزاز العاطفي (الكرة في ملعبها)
نظرت ياسمين إلى الكأس ثم نظرت في عينيه الحمراء بتحدٍ:
"لن أشرب شيئاً منك. سأترك جسدي يذبل مجدداً، سأجوع حتى الموت، وسأراك تشاهدني وأنا ألفظ أنفاسي الأخيرة.. هذا هو ثمن سجني."
جن جنون جونكوك، نهض من مكانه وحطم الطاولة التي بجانبه بضربة واحدة، وزأر بصوت أرعب الخدم في الطوابق السفلى:
"لا تهدديني بموتكِ! سأطعمكِ بالقوة إن اضطررت! لن أسمح لكِ بالرحيل وتركي في هذا الجحيم!"
ضحكت ياسمين ببرود وهي تراه يفقد السيطرة: "افعلها.. أجبرني. زد من كرهي لك. كلما زادت قسوتك، زادت سرعة رغبتي في التخلص من حياتي للهروب منك."
جنون "ملك الليل" المنكسر
سقط جونكوك على ركبتيه أمامها، ممسكاً بطرف ثوبها كطفل ضائع. تلاشت ملامح الطاغية وظهرت ملامح العاشق المهووس الذي لا يملك حيلة.
"ماذا تريدين؟! أخبريني وسأفعل! هل تريدين أن أقتلع عينيّ كي لا تري القبح فيهما؟ هل تريدين أن أكسر أنيابي بيديه؟ فقط كلي.. عيشي!"
قالت ياسمين ببرود وهي تنظر لأظافرها:
"أريد أن أراك تتعذب. أريد أن أراك تطلب السماح وأنا أرفضه. أريد أن تخرجني للحديقة الآن، وأريد أن تبتعد عني مسافة مائة متر.. لا أريد شم رائحتك."
التنفيذ والخوف الدائم
رغم أن فكرة ابتعاده عنها كانت تقتله، إلا أنه وافق فوراً خوفاً على صحتها. خرجت ياسمين للحديقة تحت ضوء القمر، وكان جونكوك يقف بعيداً، عيناه الحمراء تراقبان كل حركة تقوم بها في الظلام، وجسده يتوتر مع كل نسمة هواء تلمسها.
كانت ياسمين تمشي بدلال وتستنشق الهواء، وتعلم أن نظراته تحترق شوقاً وقلقاً خلفها. فجأة، تعثرت ياسمين (بشكل متعمد) وسقطت على الأرض.
في أقل من رمشة عين، كان جونكوك بجانبها، يحملها بين ذراعيه بجنون، وعيناه تفيضان بالرعب:
"ياسمين! هل جرحتِ؟! تكلمي!"
فتحت عينيها ونظرت إليه باحتقار وهي تدفعه: "قلت لك ابعد عني مائة متر.. أم أنك لا تفهم لغة البشر؟"
غرس جونكوك أظافره في راحة يده حتى سالت دماؤه السوداء، وزمجر بألم وندم وهو يتراجع للخلف:
"سأبتعد.. سأبتعد. لكن تذكري، أنا هنا.. دائماً خلفكِ. كرهكِ يمزقني، لكنه لن يجعلني أتخلى عنكِ أبداً."