رماد القصر والقلب الحجري
مرت شهور وياسمين لا تزال داخل القصر، لكنها لم تعد "ياسمين" القديمة. أصبحت كلماتها كالشفرات، وصمتها كالجدار العازل. جونكوك، ملك الليل الذي ترتعد له فرائص زعماء المافيا ومصاصي الدماء، أصبح يقف خلف باب غرفتها لساعات، فقط ليسمع صوت أنفاسها، دون أن يجرؤ على الدخول.
في ليلة باردة من شتاء سيول، قرر جونكوك كسر الصمت. دخل الغرفة وهو يحمل رداءً من الفرو الثمين، وجدها تقف عند الشرفة، تنظر إلى الأفق ببرود لم تعهده الجبال الثلجية.
اقترب منها وهمس بصوت مثقل بالألم:
"ياسمين.. لم تأكلي شيئاً منذ يومين. جسدك يضعف، وأنا.. أنا أموت مع كل دقيقة تذبلين فيها."
التفتت إليه ببطء، ونظرت إلى وجهه الشاحب بعينين خاويتين من أي مشاعر سوى الاحتقار:
"موتك هو أمنيتي الوحيدة يا جونكوك. توقف عن التظاهر بالخوف عليّ، فأنت لا تخشى موتي، بل تخشى فقدان دميتك المفضلة."
ثوران الوحش الجريح
لم يحتمل جونكوك هذه القسوة. اشتعلت عيناه باللون الأحمر القاني الذي ملأ الغرفة بوهج مرعب، وبرزت أنيابه الحادة تحت ضوء القمر. قبض على سياج الشرفة الحديدي وسحقه بيد واحدة وكأنه ورق هش.
صرخ بوجع زلزل القصر:
"كفى! كفى طعناً في قلبي! أنا ملك العالم، أنا من يقرر من يعيش ومن يموت! كيف تجرئين على معاملتي كأنني حشرة تحت قدميكِ؟! أنا جيون جونكوك!"
اقترب منها بسرعة تفوق سرعة الضوء، وحاصرها بجسده الضخم، وكانت أنيابه قريبة جداً من عنقها، وعيناه الحمراء تشتعلان غضباً جنونياً. "قولي أنكِ تحبينني! ولو كذباً! قوليها قبل أن أفقد عقلي وأرتكب حماقة أندم عليها للأبد!"
المقاومة الصامدة
رغم منظر الوحش الذي يقف أمامها، لم ترمش ياسمين. رفعت يدها ودفعت صدره الصلب ببرود، وقالت بصوت هادئ ومستفز:
"أنيابك لا تخيفني، وعيناك الحمراء تذكرني فقط بمدى قبحك. اقتلني إن أردت، لكنك لن تسمع كلمة حب واحدة من لسان يكره حتى نطق اسمك."
الانهيار تحت وطأة الكراهية المستمرة
هذا الصمود، هذا الكره المطلق، كان الضربة القاضية لجبروت جونكوك. تلاشت الحمرة من عينيه فجأة، وحل مكانها بريق دموع حارقة لم يعرفها منذ قرون. اختفت أنيابه، وبدا جسده وكأنه فقد طاقته بالكامل.
ابتعد عنها بخطوات متعثرة، وسقط على ركبتيه وسط الغرفة، ودفن وجهه بين يديه. خرج منه صوت نشيج مكتوم، صوت "ملك" تحطم كبرياؤه عند أقدام امرأة لا تريده.
"أنا ملك الجحيم، لكنني أعيش في جحيمكِ أنتِ.." همس بصوت محطم. "اكرهيني.. سأبني لكِ قصراً من الكراهية وأسكن فيه كخادمكِ. سأتحمل طعنات كلماتكِ كل يوم، فقط لا تغلقي عينيكِ عني. كرهكِ لي هو الخيط الوحيد الذي يربطني بالحياة."
في ليلة غاب فيها القمر عن سماء سيول، دخل جونكوك إلى جناح ياسمين. لم يكن يحمل زهوراً هذه المرة، بل كان يرتدي بدلة سوداء رسمية، ونظراته حادة كالشفرات. لم يعد يرتجف أو يبكي، بل كان يفيض ببرود مرعب.
وقفت ياسمين بتحديها المعتاد، وقالت بسخرية: "ماذا الآن؟ هل جئت لتبكي عند قدمي مجدداً؟"
لم يرد جونكوك بكلمة. اقترب منها ببطء، وبحركة خاطفة لم تدركها عيناها، قبض على فكها بيده القوية ورفعه لتقابل عينيه. تحولت عيناه إلى اللون الأحمر المتوهج بشكل دائم هذه المرة، وبرزت أنيابه الحادة التي كانت تلمع بتهديد صريح.
قال بصوت عميق يهز الجدران:
"لقد انتهى وقت التوسل يا ياسمين. ظننتِ أن كرهكِ سيكسرني؟ لقد أخطأتِ.. كرهكِ سيكون هو القيد الذي يربطكِ بي للأبد. من اليوم، لن تري الشمس، ولن تسمعي صوتاً غير صوتي."
القسوة المفرطة (الخضوع أو الكسر)
أمر جونكوك بإغلاق جميع نوافذ الجناح بألواح فولاذية، وقطع الاتصال بالعالم الخارجي تماماً. لم يعد يدللها بالكلمات، بل أصبح يعاملها بصرامة الحاكم المستبد.
في إحدى الليالي، حاولت ياسمين الاعتراض ورفضت تناول الطعام، فما كان منه إلا أن أمسكها من رسغيها وثبتهما فوق رأسها بقوة تجعل العظام تئن. اقتربت أنيابه من حنجرتها حتى شعرت ببرودة أنصالها على جلدها.
"إذا عصيتِ أمراً واحداً بعد الآن، سأجعل كل من تعرفينهم في الخارج يتمنون الموت ولا يجدونه. كرهكِ لي لا يهمني، ما يهمني هو أن تكوني هنا.. تحت سيطرتي الكاملة."
المواجهة الدامية
صرخت ياسمين بوجهه وهي تقاوم: "أنت حقير! سأبقى أكرهك حتى لو قطعت جسدي إرباً!"
ضحك جونكوك ضحكة مظلمة دوت في أرجاء الغرفة، وبرزت عروق وجهه مع احمرار عينيه الذي زاد شدة.
"اكرهيني! اجعلي كرهكِ وقوداً لعيونكِ الجميلة، فهذا يجعلني أرغب في امتلاككِ أكثر. أنتِ لستِ حرة لتختاري مشاعركِ، أنتِ ملك لجيون جونكوك، والملكية لا تملك حق الكره أو الحب."
صراع الإرادات في القفص الفولاذي
بدأت ياسمين تدرك أن جونكوك قد فقد "إنسانيته" التي كان يتصنعها من أجلها. أصبح يراقبها عبر الشاشات في كل ثانية، يحدد متى تنام ومتى تستيقظ. وعندما تحاول المقاومة أو شتمه، كان يقترب منها ويغرس نظراته الحمراء في عينيها حتى تشعر بالدوار من قوة طاقته.
في إحدى المرات، حاولت طعنه بقطعة زجاج مكسورة، لكنه لم يتفادَ الضربة. ترك الزجاج يغرس في صدره وهو ينظر إليها ببرود، ثم سحبه بيده العارية وضمد جرحه في ثانية بفضل قوته، وقال بهمس مرعب:
"هل تعتقدين أن هذا يؤلم؟ الألم الحقيقي هو أنكِ تظنين أنكِ ستخرجين من هنا يوماً ما. ستبقين معي لقرون، وسأرى كيف سيتحول كرهكِ إلى استسلام تام تحت وطأة قسوتي."