هوس مصاص دماء - الهروب المستحيل ونبضات الخوف - بقلم ياسمين | روايتك

اسم الرواية: هوس مصاص دماء
المؤلف / الكاتب: ياسمين
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الهروب المستحيل ونبضات الخوف

الهروب المستحيل ونبضات الخوف

كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل في سيول، والضباب يلف القصر ككفن رمادي. استغلت ياسمين انشغال جونكوك باجتماع طارئ مع "مجلس مصاصي الدماء" العجوز. تسللت عبر الممرات السرية التي اكتشفتها خلف اللوحات العتيقة، وقلبها يقرع طبول الرعب. ​نجحت في الخروج إلى الحديقة الخلفية، ومنها إلى الغابة المحيطة بالقصر. كانت تركض وتركض، وأغصان الأشجار تخدش بشرتها الرقيقة، لكن فكرة "الحرية" كانت تمدها بالقوة. ​صمت الغابة المرعب ​فجأة، توقفت الطيور عن الزقزق، وساد صمت جنائزي. شعرت ياسمين ببرودة مفاجئة تخترق عظامها. همست لنفسها: "لقد فعلتها.. لقد هربت!" ​ولكن، جاءها صوت مألوف، رخيم، يقطر تملكاً من خلفها مباشرة: "إلى أين يا عصفورتي الصغيرة؟ هل ظننتِ حقاً أن هناك مكاناً في هذا العالم لا تطاله ظلالي؟" ​المواجهة في قلب الغابة ​التفتت ياسمين لتجده واقفاً فوق صخرة عالية، معطفه الأسود الطويل يتطاير مع الريح كأجنحة غراب. لم تكن عيناه سوداء، بل كانت تشتعل باللون الأحمر القاني الذي يضيء عتمة الغابة. ​قفز من مكانه ليهبط أمامها مباشرة دون أن يصدر صوتاً. قبضته كانت قوية وهي تمسك بخصرها وتجذبها نحوه بعنف ينم عن غضب مكبوت. ​"لماذا؟!" صرخ بصوت هز أوراق الشجر، وبرزت أنيابه الحادة بشكل مخيف بجانب شفتيه الغاضبتين. "هل تكرهينني لهذه الدرجة؟ هل حضني بارد لدرجة أنكِ تفضلين صقيع الغابة عليه؟" ​لحظة الانهيار ​حاولت ياسمين الإفلات وهي تصرخ: "أنت تخنقني يا جونكوك! أنا إنسانة، لست قطعة أثاث في قصرك!" ​لكن غضبه كان كالبركان. رفع يده وضغط على الشجرة خلف رأسها بقوة حطمت خشبها الصلب، وعيناه الحمراء تتركزان على عنقها، وكأن غريزة الوحش بدأت تتغلب عليه. رأت ياسمين الموت في عينيه، فأغمضت عينيها واستسلمت للبكاء المرير، وهي تهمس بحشرجة: "اقتلني إذن.. اقتلني وارتح من هذا الهوس." ​الندم.. خلف قناع الوحش ​بمجرد أن أحس بدموعها الساخنة تسقط على يده الباردة، وسمع صوتها المكسور وهي تطلب الموت، اهتز كيان "جونكوك" العظيم. تراجعت الأنياب فوراً، وعادت عيناه للونهما الطبيعي، لكنها كانت مليئة بالألم والندم. ​أحاط وجهها بيديه الكبيرتين اللتين كانتا ترتجفان لأول مرة في حياته التي امتدت لقرون. ​"اقتلكِ؟ أنا أقطع قلبي قبل أن أخدش بشرتكِ يا ياسمين.." ​حملها بين ذراعيه برقة متناهية، وكأنها من زجاج قابل للكسر، ودفن رأسه في عنقها يستنشق عطرها لتهدئة وحشه الداخلي. "سامحيني.. أنا مجنون بكِ. الخوف من فقدانكِ يحولني إلى شيطان. سأعيدكِ للقصر، وسأفعل أي شيء لتسامحيني.. سأسمح لكِ بالخروج، لكن بشرط.. أن يكون ظلي هو حارسكِ الدائم." مرت الأيام في القصر كأنها دهور. لم تعد ياسمين تلك الفتاة الهادئة التي تبكي في الزاوية، بل تحولت إلى شعلة من المقاومة. كانت ترفض الطعام الذي يقدمه لها، وتحطم المزهريات الغالية التي يضعها في غرفتها، وتصرخ في وجهه كلما حاول الاقتراب. ​دخل جونكوك الجناح الملكي، ملامحه شاحبة، وعيناه غائرتان من قلة النوم والحزن. حاول أن يضع يده على كتفها بحنان، لكن ياسمين انتفضت ودفعته بكل قوتها، صارخة: "لا تلمسني! يدك ملوثة بدماء الأبرياء، وأنفاسك تخنقني!" ​المقاومة الشرسة ​تراجع جونكوك خطوة، وصوته يرتجف: "ياسمين، أنا أحاول حمايتكِ.. العالم بالخارج موحش، وأنتِ لا تدركين كم من الأعداء يتربصون بي وبيكِ." ​ضحكت ياسمين بسخرية مريرة: "الحماية؟ أنت لا تحميني، أنت تملكني كأنني لوحة فنية! أنا أكره هذا المكان، وأكره الثراء الذي بنيته على الجماجم، وأكرهك أنت أكثر من أي شيء في هذا الكون!" ​ثوران البركان المظلم ​لم يحتمل جونكوك هذه الكلمات؛ فكبرياؤه كأخطر مصاص دماء في العالم اصطدم بحائط كرهها. فجأة، اهتزت جدران الغرفة، وتحطم زجاج النوافذ من قوة طاقته الهائجة. تحولت عيناه إلى اللون الأحمر المتوهج كالجمر المشتعل، وبرزت أنيابه الحادة التي بدت أطول وأكثر رعباً هذه المرة. ​اندفع نحوها وحاصرها بين ذراعيه القويتين، وكان وجهه قريباً جداً من وجهها لدرجة أنها شعرت ببرودة أنفاسه الغاضبة. "أتكرهينني؟!" زمجر بصوت غير بشري، صوت يخرج من أعماق الوحش الكامن فيه. "بعد أن أعطيتكِ عمري؟ بعد أن جعلتُ الشمس تغيب لأجلكِ؟! قوليها مرة أخرى وسأجعل هذا العالم كله يحترق لترين من هو الوحش الحقيقي!" ​التحدي في عين العاصفة ​رغم أن جسد ياسمين كان يرتجف لا إرادياً من منظر أنيابه وعينيه الشيطانية، إلا أنها رفعت رأسها وتطلعت في عينيه الحمراء مباشرة ببرود قاتل: "قلها.. اقتلني بأنيابك هذه. أرِحني من رؤية وجهك. كرهي لك أقوى من خوفك، يا جيون جونكوك." ​الانهيار والندم القاتل ​تلك الكلمات كانت كافية لتحطيم جبروته. رأى في عينيها صدقاً لم يره من قبل؛ رأى أنها فعلاً تفضل الموت على البقاء معه. فجأة، تلاشت الحمرة من عينيه، واختفت الأنياب، وارتخت قبضته عنها. ​تراجع إلى الخلف وهو يلهث، وبدا وكأنه هو من يتلقى الطعنات. سقط على ركبتيه فوق شظايا الزجاج المحطم، ولم يبالِ بالدماء التي سالت من ركبتيه. غطى وجهه بيديه وبدأ ينتحب بصمت يمزق القلب. ​"أنا ضائع.. أنا وحش في عينيكِ مهما فعلت.." همس بصوت مكسور وهو ينظر للأرض. "اكرهيني.. اضربيني.. حطمي كل شيء في هذا القصر، لكن أرجوكِ.. لا ترحلي. سأبقى تحت قدميكِ كالخادم، فقط لا تحرميني من رؤيتكِ، حتى لو كانت نظراتكِ تقتلني كل يوم."