الفصل الثالث والثلاثون بعد المئة
" the writer Aridj "
.
.
.
وقف مشعل مصعوقا ، عيناه متسعتان وملامحه مشدودة بين الذهول والتكذيب/كيييف ؟؟؟
كان المشهد أمامه مشحونًا بالتوتر؛ أماني تقف بثباتٍ لا يتزحزح، إلى جوار الموظف الذي كُبِّلت يداه بالأصفاد المعدنية الباردة.
رفعت أماني ذقنها بثقة، ونظرت إلى مشعل نظرةً لا تعرف التردد، وقالت بنبرة ثابتة لا تقبل الجدل /مثل ماسمعت
ابتلع مشعل ريقه، واقترب خطوة، تتصارع في صدره الأسئلة، وقال باستفسارٍ مشوب بالريبة /وكيف عرفتي انو ھو الخاين ؟
قالت وعيناها تلمعان بعزمٍ خفي /الحين ماراح اتكلم لين يجي سلطان وراح اقولك كل شي
ساد الصمت ثانيةً، صمتٌ ثقيل يضغط على الأعصاب. التفت مشعل بسرعة إلى أحد الموظفين الواقفين بوجوهٍ شاحبة وقال بحدةٍ آمرة /نادي سلطان بسرعة !!!
انطلق الموظف ركضًا، وخطواته تتردد في أروقة المبنى الطويلة، يمرّ بالغرف والممرات كأن خلفه وحشا يطارده، حتى بلغ مكتب سلطان. طرق الباب بخفّةٍ متوترة، فجاءه صوت سلطان من الداخل يسمح له بالدخول.
دخل الموظف، وصدره يعلو ويهبط من فرط الركض. رفع سلطان رأسه إليه ببطء، وعيناه الحادتان تستقران على وجهه، وقال ببرودٍ مهيب /وش عندك ؟
تنفّس الموظف بعمقٍ يحاول أن يلتقط أنفاسه، ثم قال بسرعة /طال عمرك العميلة اماني القت القبض على سالم وتقول انه ھو الخاين وطالبا حضورك عشان تفسر كيف عرفت .
ارتفع حاجب سلطان قليلًا، وتمتم بين نفسه بصوتٍ خافت يكاد لا يُسمع /ممتازة
ثم التفت إلى الموظف وأشر له بيده ليغادر ...
غادر الموظف وأغلق الباب خلفه.
بقي سلطان ساكنا لحظة، ثم دفع كرسيه ببطء، ونهض بخطواتٍ محسوبة. مدّ يده إلى سلاحه فوجده في جيبه، فتنهد تنهدًا عميقًا حاول أن يُخمد به غضبه المتأجج. كان يعلم في قرارة نفسه أن ذلك الخائن، إن ثبتت خيانته، فسيذوق من العذاب نصيبًا لا مفرّ منه، شاء أم أبى.
خرج من مكتبه متجهًا إلى غرفة المراقبة. دخلها بخطواتٍ واثقة، ووقف بجانب مشعل، وعيناه تستقران على أماني. عقد ذراعيه أمام صدره، وصوته يخرج آمِرًا مقتضبًا /بلشي .
بدأت أماني حديثها /مثل ماقلتلكم ھذا ھو الخاين وھو لي كان يتسبب في عطل نظام الأمان واحنا نحسب انو الكاميرات تتوقف ...
أخرجت من جيبها الفلاشة التي انتزعتها من الحاسوب، ورفعتها قليلًا كأنها دليل إدانةٍ لا يقبل الطعن، وأكملت /وھذھ الفلاشة ھي لي فيھا البرنامج لي كان راح يدمر بيه كل النظام ...واكيد ھو لي دحل الأرشيف وراح يدخل بسھولة لانو قادر يعطل الكاميرات ويدخل .
ظل سلطان صامتًا لحظة، يفكر، يزن كلماتها بميزانٍ دقيق، ثم قال بصوتٍ هادئ يحمل في طياته اختبارًا خفيًا /وايش لي ماخالاك تحطين احتمال انو لفلاشة وضعھا اي احد ثاني بالحاسوب لي يشتغل عليه سالم عشان يلفق له التھمة .
نظرت إليه أماني بثقةٍ لا تهتز، وقالت /اكيد حسبة حساب ھالشي وراح اقوم برفع البصمات عن عن لفلاشة وعن اماكن معينة بالأرشيف ومصير ھالخاين انو راح يعترف .
اقترب سلطان من سالم، ووقف أمامه ببرودٍ مخيف، وقال بصوتٍ منخفض لكنه أشد وقعًا من الصراخ /اذا اتضح انو انت الخاين ماراح تلوم غير نفسك
ابتلع سالم ريقه بصعوبة، وعرق بارد يتسلل على جبينه. استدار سلطان وغادر، وقبل أن يخطو خارج الغرفة التفت إلى أماني وقال بصرامةٍ لا تقبل النقاش /اسرعي وجيبيلي النتائج لمكتبي واذاكان تحليلك للي صار خاطئ لا تجين احسن .
خرج، وبقيت كلماته تتردد في صدرها. تجاهلت أماني ما قاله، وأمرت الحراس ألا يُبعدوا أعينهم عن سالم. ثم غادرت الغرفة بخطواتٍ سريعة، متجهة إلى غرفة أخرى، أخرجت الفلاشة وبدأت في رفع البصمات بدقةٍ متناهية. كانت أناملها تتحرك بخبرة، وعيناها تتابعان كل تفصيلة.
وكما توقعت، لم تظهر سوى بصمتها وبصمة سالم.
وضعت الفلاشة فوق الطاولة، وصعدت إلى الأرشيف، غافلةً عن عينٍ كانت تراقبها من الظل.
في تلك اللحظة، دخل خلفها من لم يره أحد، امتدت يدٌ غريبة وانتشلت الفلاشة في خفةٍ خاطفة، وغادر مسرعًا كأن شيئًا لم يكن.
أما أماني، فقد أنهت رفع البصمات عن مقبض الباب وأماكن الملفات المسروقة، وأدخلت النتائج في الحاسوب. ظهرت الأسماء أمامها تباعًا:
_آرون
_سلطان
_أحمد
_ماركوس
_سالم
_مشعل
_وبصمة اخرى غريبة لم يظھر الحاسوب لمن ھي ...
تجمّدت في مكانها، وشعور بالقلق يزحف إلى صدرها. نهضت مبتعدة عن الشاشة، وخرجت متجهة إلى مكتب سلطان. وفي الطريق، تذكرت الفلاشة. انعقد حاجباها، واستدارت بسرعة عائدة إلى الطاولة التي وضعتها عليها.
لم تجد شيئًا.
اتسعت عيناها، وبدأت تبحث باضطراب، تقول بانفعالٍ واضح /حطيتھا ھنا وين راحت
فتشت الغرفة كلها، قلبت الأوراق، نظرت تحت الطاولة، خلف الأجهزة… لا شيء.
أسرعت إلى غرفة المراقبة، وقلبها يخفق بعنف، لكن المفاجأة أن من شكّت به أنه أخذ الفلاشة كان ما يزال مكبّلًا كما تركته.
التفت مشعل إليها وقال بقلق /وش كانت النتيجة .
قالت بسرعةٍ متوترة /الحقني بسرعة لمكتب سلطان .
ركضا معًا، ودخلا مكتب سلطان. وقفت أماني أمام مكتبه، تلتقط أنفاسها، ثم قالت بعد أن هدأت قليلًا /البصمات لي لقيتھا اكدت انو سالم ھو المشتبه لقيت بصماتو على الفلاشة وبصماتو فالأرشيف وعمله مايتعلق ابدا بالأرشيف
نهض سلطان من مكانه، وقال بنبرة رضاٍ باردة /ممتاز الحين راح نعرف مين وراه
مدّ يده نحوها وقال /ھاتي لفلاشة
ترددت أماني، ثم قالت بصوتٍ واضح ثابت /مالقيتھا
تغيّرت ملامح سلطان قليلًا، وقال بهدوءٍ خادع /اماني ھاتي الفلاشة
قالت مرة أخرى، محاولةً التماسك /خليتھا فوق المكتب بعد مارفعت عنھا البصمات وطلعت للأرشيف بس ....
انفجر غضبه المكبوت، وقال بحدّة /بس وش ؟؟؟؟على الأقل كان كملتي عملك للأخير
سكت لحظة، ثم مرر يده فوق خصلات شعره السوداء سواد الليل، وصدره يعلو ويهبط من شدة الانفعال، وقال بصرامةٍ تقطع الأنفاس /الحين مايھمني تجيبين الفلاشة حتى لو من تحت الأرض
رفعت أماني رأسها بعناد، وقالت بغيضٍ مكتوم /ان شاء الله
واستدارت لتغادر، والنار تشتعل في صدرها، تسبّه في داخلها، وتلعنه، وتدعو عليه بأسوأ الدعوات… بينما خلف الأبواب والجدران كانت خيوط الخيانة تتشابك أكثر، وتغدو الحقيقة أبعد من أن تُمسك بسهولة......