الفصل الثاني والثلاثون بعد المئة
" the writer Aridj "
.
.
.
وصلت إلى المقرّ و أوقفت سيارتها ، أغلقت الباب خلفها، ثم نزلت بخطوات واثقة ،صعدت الدرج المؤدي إلى المدخل، ودخلت من البوابة الزجاجية التي انفرجت أمامها بصمت. اتجهت نحو المصعد، لكن قبل أن تضغط الزر، جاءها صوت موظف الاستقبال من خلف المكتب /آنسة أماني، المصعد عطلان.
التفتت إليه بابتسامة مقتضبة، إيماءة خفيفة برأسها، ثم استدارت نحو باب طوارئ الذي يخلي خلفه امتداد ذلك الدرج.....لا بأس لعلّ في صعود الدرج ما يبدّد شيئًا من هذا الملل
وضعت قدمها على الدرجة الأولى، ثم الثانية، وفي اللحظة التي ارتفع فيها وقع حذائها متناغمًا مع صمت المكان، انطلق رنين هاتفها… سيمفونية قصيرة اخترقت السكون. تأففت بخفوت، مدّت يدها إلى حقيبتها، أخرجت الهاتف، وإذا برقمٍ أجنبي يلمع على الشاشة.
رفعت رأسها عن الهاتف، وبقيت ساكنة لثوانٍ.... لمن هذا الرقم؟
ثوانٍ من التفكير المزدحم… ثم لاح برقٌ في أفق عقلها: رسيم.
عاد إليها شيء من الدفء والاشتياق اليه، ضغطت الزر الأخضر بشيء من اللهفة، فجاءها صوته الهادئ الذي اعتادته، صوتٌ ملؤه الأخوة الصادقة/أهلين بعيون رسيم بدنيتي وأمانيَّ الجميلة.
ابتسمت /أهلين فيك يا سندي، كيفك؟
أجابها بنبرة مطمئنة/ بخير، وانتي؟ ويّمه وأبوي كيفهم؟
/بخير الحمدلله. كيف الشغل معاك؟ إن شاء الله كل شيء تمام.
و بثباتٍ محسوب، رغم أنه يعلم في أعماقه أن قصة العمل تلك ليست سوى كذبة اختلقھا في اللحظات الأخيرة قبل سفره /بيرفيكتو !!!
ضحكت أماني، وواصلت صعود الدرج، لكن فجأة… شيء شدّها للتوقف. أنصتت..... خلف صوته..... كان هناك صوت أنثوي خافت. نبرة عابرة، لكنها واضحة.
توقفت قدمها في منتصف الدرجة.
قالت بشكٍّ لم تستطع إخفاءه /رسييم… إنت وين؟
في تلك اللحظة، كان رسيم في منزله، مع رتيل التي دخلت المطبخ دون أن تعلم أنه يكلم أماني. كانت تحدثه طيلة سيرھا الى المطبخ وعندما لم يجبھا سارت اليه لكنه أشار إليها سريعًا أن تصمت حتى يُنهي المكالمة.
عاد صوته إلى أماني ثابتا /بالمستشفى، تعرفين الشغل اليوم زحمة، معاينات كثيرة، وعندي شفت بعدين .
تقلّصت ملامح أماني قليلًا، شيء في الداخل لم يهدأ /أمم… تمام. الله يعينك.
/يلا أماني، في حفظ الإله. ديري بالك على حالك، وسلّمي لي على الكل. راح أرجع أتصل مرة ثانية.
/يلا، سلام.
أغلقت الخط، وضعت الهاتف في جيبها، وأكملت الدرجات المتبقية، لكن حاجبيها كانا مرفوعين، وعيناها تضيقان .... الشكّ لم يغادرها.
أيظنني غبية؟
ما الذي تفعله فتاة عربية في مستشفى إيطالي؟
تنهّدت ببرود متعالٍ/وش عليّ منه؟ يسوي اللي يبيه… بس أنا راح أعرف وش قاعد تخبّي يا رسيم....
أنهت الدرج أخيرًا، فتحت الباب ودخلت إلى الطابق. كانت الوجوه متجهمة، خطوات مسرعة، همسات مقطوعة.
رأت مشعل يتجه بخطى سريعة نحو مكتب سلطان، فأوقفته /مشعل، انتظر.
توقف، وملامحه مقبوضة /ها أماني، وش تبين؟
بإستفسار /وش صاير؟
مشعل بنبرة مسرعة /الكل بغرفة الاجتماعات. اتبعيني وراح تعرفين.
سارت خلفه بخطوات مسرعة، دفع مشعل الباب و دخلا الغرفة.
كان سلطان كعادته، إعصارًا ثائرًا في هيئة رجل. يدور أمام الطاولة الكبيرة ذهابًا وإيابًا، قبضتاه مشدودتان، ووجهه متصلّب. اجتمع الجميع كما طلب. أُغلق الباب خلفھم وكأن الغرفة تحولت إلى ساحة محكمة.
التفت إليهم سلطان، وصوته منخفض لكنه مشحون /في خاين بيننا.
نهض ماركوس من مكانه، وصاح /
What?! What makes you so sure to this extent?
الترجمة الى العربية/ماذااا؟ ما الذي جعلك متأكدًا إلى هذا الحد؟
نظر إليه سلطان بثبات بارد /انسرقت ملفات لقضايا تخص عصابة كنا نلاحقهم عشان نمسك عليهم آخر غلطة ونقبض عليهم… لكن الملفات ناقصة.
التفت إلى أحمد، وعيناه تشتعلان /مين دخل للأرشيف؟
أحمد /الوحيدين اللي يدخلون للأرشيف: أنت طال عمرك، وسيد آرون، وماركوس، وأنا، ومشعل.
ساد صمت ثقيل.
سلطان بإستغراب /وكيف تنسرق الملفات إذا كنا نحن بس اللي دخلنا الأرشيف؟
توقف لحظة، ثم أردف /جيب لي سجل اللي دخلوا للأرشيف طيلة الأسبوع. الملفات انسرقت هالأسبوع.
دخل أحد العملاء مسرعًا /طال عمرك، لقينا الكاميرات متوقفة بالوقت اللي طلبت نراجع فيه كاميرات المراقبة.
عاد سلطان إلى حافة الطاولة، أسند يديه عليها، وانخفض صوته إلى غضبٍ مكتوم /راح نغير نظام الأمن… ولازم نغلق المقر هنا بأقرب وقت ونطلع لأمريكا. لازم نمسك هالخاين، ونهايته راح تكون تحت يدي.
رمقهم بنظرة يعرفون معناها جيدًا /الكل على شغله.
غادروا الغرفة تباعًا. حتى أماني خرجت معهم. لمحها سلطان للحظة، لكنّه أبدى عدم اهتمام متعمّد.
اتجهت أماني مع مشعل إلى غرفة الحواسيب لبدء تغيير نظام الأمن. دخلا غرفة المراقبة. أضواء الشاشات تنعكس على الوجوه، أزرار تومض، أجهزة تهمس بأصوات خافتة.
لكن شيئًا لم يعجبها.....
أحد الموظفين كان يتصرف بغرابة. ارتباك خفي، حركة عيون غير مستقرة، توتر غير مبرر.
أماني، بطبيعتها دقيقة الملاحظة، لا يفوتها تفصيل.
استدارت نحوهم وقالت بصرامة هادئة /كل واحد يقوم من مكانه ويطلع من الغرفة.
التفت إليها مشعل مستغربًا /وش صاير؟
بھدوء مُربك/ راح تعرف
نهض الموظفون الثلاثة. قال أحدهم بتردد /ممكن تقولين وش في آنسة أماني؟
مرّت بعينيها عليهم بنظرة فاحصة. توقفت عند واحد منهم. الارتباك يصرخ في ملامحه، وعيناه تتنقلان كل لحظة نحو جهازه.
اقتربت من حاسوبه. مدت يدها خلف الشاشة الكبيرة… وأخرجت شيئًا صغيرًا.
اعتدلت في وقفتها، وسارت أمامهم بخطوات بطيئة.
قالت ببرودٍ باردٍ مستفز /وش ذا؟
الموظف بإنكار سريع/ مدري!
أعادت بنبرة أكثر جمودًا / وش ذا؟
أنكر مرة أخرى.....
وضعت الفلاشة في جيبها، وبدأت تدور في الغرفة ببطء… خطوة، خطوتان، ثلاث… حركة تجعل الأبرياء يشعرون بالذنب.
مدّت يدها إلى خصرها...حركة اعتادتها.
التفتت إليهم، وابتسمت ابتسامة جانبية… ليست ابتسامة فرح، بل دهاء خبيث، تشبه ابتسامة المحقق حين يعرف الحقيقة قبل الجميع.
تقدمت نحوه.
خطوة… خطوتان… ثلاث…
وفي حركة هادئة، صار مسدسها في يدها، موجّهًا إلى بطنه.
قالت بنبرة تهدم الأعصاب مهما كان صاحبها هادئًا /وش تختار؟ الاعتراف… أو الموت؟ لو سألتني أنا، أقول لك تختار الموت أحسن لك.
صرخ الموظف /جنيتي!
تقدمت وسدّدت له لكمةً في بطنه /اششش… الحثالة ما تصارخ.
ابتعد خطوات متعثرة.
أعادت المسدس إلى جيبها بحركة انسيابية...
مشعل، بذهول /أماني، وش صاير؟
التفتت إليه، وقالت بنبرة خبيثة هادئة /تمثيلية… أدرب نفسي وبس.
رفع حاجبه بعدم تصديق. فهم… ولم يفهم.
أمر البقية بالجلوس. جلسوا متوترين. أما هي، فبقيت واقفة، تراقب الشاشات.
لن يستطيعوا فعل شيء الآن
لم تنزع الفلاشة فقط… بل قطعت أحد الأسلاك أيضًا.
لا أحد يمكنه العبث بالنظام حتى تنتهي مما تريد.
ربتت على جيبها حيث وضعت الفلاشة. واضح أنها تحتوي على البرنامج الذي عطّل نظام الأمان أكثر من مرة.
لكن الآن… عليها أن تُنهي الصيد.
ادعت أنها تراقب الجميع، لكنها كانت تراقب فريسة واحدة فقط.
تحركت نحوه بخفة هادئة، وضعت ذراعها حول عنقه في حركة خانقة وهمست /قوم بهدوء… وصوتك ما ينسمع.
التفت إليها مشعل بانزعاج /أماني، وش تسوين؟
قالت وهي تكبّل يدي الموظف بعد أن نهض /هذا هو الخاين.
وقف مشعل مصعوقًا /كيييف؟؟؟