الفصل الرابع: من يطرق الزجاج
لم يكن داخل المرآة مظلمًا تمامًا.
بل كان باهتًا.
كأن العالم فقد ألوانه واحتفظ بظلاله فقط.
ليان وقفت هناك… تلمس السطح الذي يفصلها عن غرفتها.
كانت ترى الأخرى تعيش مكانها.
تتحرك بسهولة.
تبتسم لأمها.
تجلس على سريرها.
بثقة.
وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ زمن.
1 — العالم المعكوس
حين التفتت ليان حولها، أدركت شيئًا مخيفًا.
العالم داخل المرآة ليس نسخة صامتة فقط.
بل هو نسخة مشوّهة.
الساعة على الحائط تتحرك عكس الاتجاه.
الضوء لا يأتي من المصباح، بل من الزوايا المظلمة.
وصدى خطواتها يتأخر ثانية كاملة بعد كل حركة.
حتى أنفاسها… كانت تسمعها مرتين.
بدأت تشعر بشيء يتسلل إلى صدرها.
برودة.
لكنها ليست خوفًا.
شيء أشبه بالذوبان.
كأنها تفقد حدودها.
2 — الرسالة
اقتربت من الزجاج مرة أخرى.
ضربت بيديها عليه.
في الخارج… لم يظهر أي صوت.
لكن فجأة—
ظهرت كتابة على سطح المرآة من الجهة الأخرى.
كتابة بطيئة… كأن أحدهم يرسمها بإصبع.
"اهدئي."
كانت الأخرى تنظر مباشرة إليها.
ثم كتبت:
"لم أعد أريد العودة."
شعرت ليان بشيء ينكسر بداخلها.
صرخت دون صوت.
حاولت تذكّر شيء حقيقي.
شيء يثبت أنها الأصل.
ذكريات.
ضحكة طفولتها.
خوفها من أول يوم مدرسة.
أحلامها الصغيرة.
لكن كل ذكرى تحاول الإمساك بها…
تبهت.
كأن أحدهم يمحوها.
3 — بداية التلاشي
لاحظت يديها.
أطراف أصابعها أصبحت شبه شفافة.
حين رفعت كفها أمام وجهها…
استطاعت رؤية الجدار من خلالها.
"لا…"
تراجعت خطوة.
الأرض تحتها بدأت تتشقق.
ليس كزجاج.
بل كصورة قديمة تحترق من الحواف.
سمعت صوت الأخرى لأول مرة بوضوح داخل هذا العالم.
ليس همسًا.
صوت كامل.
"كلما قاومتِ… تلاشيتي أسرع."
تجمدت.
"لماذا تفعلين هذا؟"
الجواب جاء ببرود:
"لأنني أنا التي تستطيع العيش."
4 — الحقيقة المؤلمة
بدأت ليان تفهم.
الأخرى لم تكن مخلوقًا غريبًا.
كانت الجزء الذي أخفته طويلًا.
غضبها المكبوت.
كلماتها التي لم تقلها.
لحظات ضعفها التي أنكرتها.
كل ما دفنته… وجد شكلًا هناك.
ومع كل مرة تجاهلت فيها نفسها…
كبر ذلك الجزء.
حتى أصبح أقوى منها.
5 — الطرق
لم يبق أمامها سوى خيار واحد.
وضعت كلتا يديها على الزجاج.
أغمضت عينيها.
ولأول مرة منذ بدأت الأحداث…
لم تحاول الهرب.
همست:
"أنا خائفة."
في الخارج…
توقفت الأخرى.
"أنا ضعيفة أحيانًا."
سكتت الغرفة.
"وأنتِ جزء مني… سواء أردت أم لا."
في تلك اللحظة—
ظهر شق صغير في سطح المرآة بينهما.
خط رفيع من الضوء.
ليس كسرًا…
بل بابًا.
الأخرى اقتربت.
نظرت إليها طويلًا.
ولأول مرة…
اختفت ابتسامتها.
6 — اللحظة الفاصلة
العالم داخل المرآة بدأ يهتز.
الأرض تتشقق.
الجدران تبهت.
الشق يتسع ببطء.
لكن السؤال لم يكن: من سيخرج؟
بل—
هل يمكن أن تعود واحدة فقط؟
أم أن عليهما أن تصبحا شيئًا جديدًا؟
مدّت ليان يدها نحو الضوء.
وفي الجهة الأخرى…
مدّت الأخرى يدها أيضًا.
أصابعهما اقتربت.
لم تلمس بعد.
وتوقف كل شيء عند تلك اللحظة.
نهاية الفصل الرابع
في الخارج، سُمِع صوت خافت…
طرق.
طرق من داخل المرآة.
وفي الداخل…
ابتسمت ليان.
لكن هذه المرة…
لم تكن ابتسامة باردة.
كانت ابتسامة تعرف الحقيقة.